الجمعة، 16 ديسمبر 2016

قناص جبل الرماد.. عندما تحلق طيور المعنى بين اللوحة والقصيدة



"قناص جبل الرماد"...
عندما تحلق طيور المعنى بين اللوحة والقصيدة
إبراهيم الحجري- ناقد من المغرب
0. على سبيل التمهيد:
تتوزع اهتمامات الكاتب محمد مهدي[1] حميدة بين التشكيل والكتابة بنوعيها النثرية والشعرية، وهو إذ ينزع نحو التعدد، مطلقا العنان لخيول مواهبه كي تصهل على مهلها في شتى الضفاف، تظل المشهدية التصويرية سواء عبر اللغة أم بغيرها، نسغ التفكير الجمالي في هندسة المعاني. وإذ تكون المغامرة الشعرية جامعة بين حركية التّصوير اللغوي واستبطاناته المعجمية والمجازية وشطحه التعبيري الصاعد من العمق الجواني للذات، من جهة، ومفردات الرسم والتصوير التشكيليين التي تخاطب في المتلقي حواسّه ذات البعد البصري، فهي تكون ألذ وأشهى، ويتهيأ للمشهدية الشعرية أن تكون أشد غورا وعمقا. حيث يتأتى لكل قصيدة أن تجمع بين مفردات اللغة الشعرية وهيولاها، وزبدة التجربة التشكيلية والخبرة الجمالية التي عاشها ويعيشها الشاعر باعتباره فنانا تشكيليا وناقدا فنيا ومتتبعا للحراك التشكيلي العربي، وأحد نشطائه المميزين في مدينة (الشارقة) التحولات الفنية المسترسلة، والبيناليات المفتوحة على التجديد والعنفوان ورياح الجمال حيث هبّت.
 1. تشظي الذات بين الإحساس بالفقد وتراجيع صدى الذكريات:
تمثل النصوص الشعرية التي تجمعها دفتا المجموعة الشعرية "قناص جبل الرماد" صرخة الذات المكلومة بالوجع والمعاناة المبطنة نحو العالم، صرخة مدوية حينا، وخافتا حينا آخر، تبعا لتوتر الإيقاع الشعري الذي يرتفع تارة ويتراجع أخرى، مصورا حالة الذات الشاعرة التي تخفق بين أيدي المصائر المتلاطمة مثل عصفور وحيد أفزعته العواصف، وراحت تقوده صوب المتاه، صرخة لا يريد منها الشاعر أن تصل إلى الآخرين ليشاركوا الشاعر أحاسيسه ووجعه، بل ما يروم منها هو أن ترتد إلى جوانيته فتطهرها من مغص المشاعر السالبة التي تقض مضجعها، وتنزع منها لذة الشعور بسعادة قصيرة في الحياة، مجرد حلم بين قصيدة وأخرى، حياة مستقطعة بين حياتين. وكمثال على ذلك، أورد المقطع الشعري التالي:
"وضللنا
كافة الكائنات الحية
وكل الجمادات
بارتداء أقنعة ميتة
بلا ملامح
وتناسينا الحجم المعهود
للمادة
ومحونا كلّ إحساس
بالكتل الصماء
والحية
مستسلمين كلياً
للتلاشي
والذوبان
ضمن
ما لا يمكن تحديد
كنهه"[2].
إن ما يقوم به الراوي- في القصيدة- من خلال بث لواعجه، ونفث الصور المكثفة المسجورة بالمغص الثاقب الذي يطل سافرا بين المفردات الشعرية القاتمة، والأسطر الموحية الفياضة بالإحالات الدلالية، ينسحب تماما، على القناص الذي شاء له المصير الشعري أن يتخذ ركنا قصيا في "جبل الرماد" منتظرا أن ينعم عليه الحظ باللقطة المناسبة لاصطياد بريق أمل، يشبه حلما، تلتقي من خلاله، الذات مع عالمها المبجل، الذي يشكل المشهد الشعري بالمجموعة كلها، معبرا ممكنا في اتجاهه. تصير لحظات السعادة المنتظرة بين ومضة وومضة وإشراقة صبح وغروب شمس وقصيدة وقصيدة؛ هي طرائد القناص الخائب الذي دفعت به عواصف الواقع القاسي صوب جبل خربته نار نيرون، واستنزفت عيونه وأمواهه البراكين المتواصلة. وما ذاك الجبل الرمادي سوى كناية على العالم الممهور بالخيبات التي جناها الإنسان في عصر تدني القيم، وتراجع المكتسبات الأخلاقية أمام هيمنة الهمجية وسلطة المادة، وغلبة الرغبات الحيوانية، وتفاقم الإحساس بالجمال في كل شيء. لا يملك القناص الذي تبئره العنونة في المجموعة الشعرية، سلاحا ناريا، بل لا يتأبط سوى خيباته القاتمة، وحلمه الأخير بلحظة شروق، وسط محفل العتمة التي تغطى كل شيء، لا يملك إلا بريق لغته الشعرية الحالمة، وألوان فرشاته المهترئة، وهي تتوق إلى رسم معالم عالم جديد يعمّه نور الجمال، ويتغشاه الفكر الخلاق، وتسوده القيم الرفيعة.
2. هيمنة المعجم الفني؛ ارتهان التشكيلي إلى نسغ اللغة:
ليس من الصعب على متلق قصائد "قناص جبل الرماد" أن يلحظ هيمنة معجم فني، وسيادة حقل دلالي يحيل على قاموس الفنان التشكيلي، والناقد الجمالي المتذوق للطبيعة وسحرها، والمسلح بأدوات فكّ مغاليق الألواح والمشاهد والصور والأسناد البصرية، وكأن الشاعر كان يفكر في الصورة الشعرية باللون والإطار، والضوء والعتمة، والخطوط والنقط، والظل والأطياف، والمشهد واللقطة، والصورة الثابتة والمتحركة وغيرها من الثنائيات الغنية التي تنتمي إلى عالم الجماليات التشكيلية، ولم يكن يفكّر فيها بالمعجم والكلمة، والصورة والإيقاع، والعبارة والسطر، والكناية والمجاز، والاستعارة والتشبيه، والشعور والإحساس، وإن كانت كل هاته الأشياء موجودة بشكل من الأشكال ضمن المنجز الشكلي للقصائد، لكن الفعالية الاستراتيجية للتصوير الخلاق داخل البنية اللغوية، والإمدادات الدلالية التي تحفل بها التقاطيع والمشاهد كانت تعود للملمح الأول أكثر مما تعود للملمح الثاني. والحاصل أنّ الملمحين معا يتحالفان لإنتاج المعنى، وتشييد جمالية خاصة للقصيدة الشعرية كما يتصورها وتمثلها الشاعر- الفنان محمد مهدي حميدة.
ونورد، كمثال على ذلك، إحدى إشراقات الشاعر الشعرية، ناحتا مفرداته الخاصّة، التي تنهلُ من المعجمين الشعريّ والتشكيليّ، هنا، تحديدا، تتضامن كلّ المكونات الثقافية لدى الشاعر من أجل إنتاج معنى مختلف، وهنا أيضا تبرز المعرفة الثقافية الموسوعية للشاعر التي تجمع كافة أنواع الخطاب، ويتطلّب هذا من المتلقي التّسلح بأدوات شبيهة قادرة على فكّ شفرات هذا النوع من الخطاب الشعريّ المقتضب، المكثف، والعميق، ذاك الذي يعتمد التلميح والتلويح والإيحاء بدل التصريح والتفصيل:
"ألوانها الداكنة
بالمقابل
وكافة نقوشها حلزونية البناء
كاشفة
عن رسوم أقدم
لا تشبه أيّاً منا
لكنها قادرة
على التأثير
في دواخلنا
و إحداث أثر عميق
لا يذوب
من أرواحنا
أبداً
فصرنا نحن أنفسنا
ودون أن نعرف كيف؟"[3]
3. المفارقة الشعرية؛ سخرية من الذات والعالم:
يستعين الشاعر محمد حميدة بالمفارقات الشعرية، ويفتح لها ضمن مقوله الشعري مساحة متسعة، لأنها تخدم المغزى العامّ الذي يروم توصيله إلى المتلقي، فهناك حالة من التشتت الكياني التي ترتاد العامل الذات في المحكيّ الشعري، وهناك نفور مستشري يتسلل إلى الروح الباثة لواعجها نصيا، وهناك طرق متقاطعة من الشجن والألم تتمزق عبرها بوصلات الحياة. لذلك لم يتبق لذات ناكصة تعذبها مسالك التيه سوى التوسل باللغة في مدها وامتدادها، وفي مشرع قواميسها الحبلى بالمعاني المتضاربة والمتشاكلة والمتضادة والمتنافرة... ينتقي منها ما يعزز مشاعره، ويلوذ بظل مفرداتها الأكثر رحابة حتى يتجنب شواظ اللحظة، ويفلت بجلده من أوارها المستعر الذي لا يهادن ولا يفتر.
تمنح اللغة للشاعر متسعا كي يبحر في ملكوت أحاسيسه، ويعبر عنها بشتى الأساليب، وينحت لها مسالك جديدة من بنات خياله، وهندسة موهبته الفنية الذكية التي تجمع بين التصوير اللغوي والتصوير البصريّ، ويبتكر للمعاني شرفات أخرى من الدال ونقيضه، ومن المعنى واللا معنى، ومن المشير اللغوي ومجاوره الدلالي، ليعدو النص الشعري لديه، ليس تهكما من القيم المترهلة التي باتت تطغى في عالم اليوم، وتهندس تحولاته التي تسير ضدا على المثل الإنسانيّة، بل هو أيضا سخرية من اللغة ذاتها أو من شكل التعبير بصيغة أصح.
لقد ساهمت المقدرة التصويرية لدى الشاعر حميدة في دعم النسيج التوليدي والتوليفي للقصائد، فكانت، تأسيسا على ذلك، كل المقاطع الشعرية مشاهد ولحظات ولقطات وتشكيلات كاريكاتورية ساخرة تنتصب أمام المتلقي واضعة إياه، مع سبق الإصرار والترصّد، في سياق المشاركة في تشييد المعنى الشعريّ، ومقحمة إياه في صميم ترتيب فوضى الصور الشعرية والتشكيلية، وإعادة ترصيصها على إيقاع المغزى المرام تثبيته قرائيا وتداوليا، حتى تنسجم مع المتراكم النسقي لذاكرة المتقبل للنصوص.
ونلفي هذا النزوع مثلا، عبر هذا المقطع، حيث يترسخ البعد الكاريكاتوري في التصوير الشعري، إلى حد تصير الصورة مشمئزة، مثيرة للغثيان، وذاك على سبيل إثارة الحواس الأعمق في الكائن الإنساني، استدراجا لعواطفه التي تكلّست، وما عاد يفيد معها التعبير السلس المدغدغ، الرقيق... يقول الشاعر:
"قدمان عاريتان
تتدليان
في وداعةٍ
من سقفِ الحجرةِ
ورأ سٌ شطورٌ
ينامُ نصفُه
أسفل النافذةِ
وينامُ النصفُ الثاني
قريباً من سلةِ المهملات
وقلبٌ آخذٌ في التورم
فوق منضدة الزاوية"[4]
وتهدف السخرية المفارقة في هذه المجموعة أولا، إلى نقض العوالم المزيفة عن طريق التهكم منها، أو تصويرها تصويرا كاريكاتوريا بغاية نقدها أو تشريحها أو إثارة العالم الإنساني إلى بشاعة القيم المروجة ضمنها تحت ذرائع مادية شتى. وتحرص ثانيا على تحقيق نوع من العزاء للذات الباثة، بوصفها تعويضا تخييليا، وتطهيرا جوانيا، وامتلاء روحيا يعيد للأنا المشروخة توازنها المفقود.
يقول الشاعر ساخرا من الذات المتشظية، مصورا، بعمق درامي، قبح المتاهة الإنسانية التي تتدحرج فيها بفظاعة:   
"أضحكُ
بلا انقطاعٍ
حتى يضجر الموت
مني
فيُلقي بي
إلى شوارع بالية
وبيوت منزوية
بلا أبواب
أو حوائط..
فقط"[5]
على سبيل الختم:
إن الكتابة من خلال هذا الديوان الشعري، تسعى إلى استعادة التوازن الإنساني المهدور، شعريا وتشكيليا، عبر تواطؤ النص الشعري والصورة التركيبية للعمل الفني التصويري. وقد استفاد الشّاعر من تمكّنه من المجالين معا، واستثمر خبرته في مجال الجماليّات واحتكاكه المتواصل مع عالم اللّوحة، ومتابعته اللّصيقة لتطوّر المشهد التشكيليّ العربيّ في سبيل تشخيص حالة إنسانية لا تقتصر على وضع الذات المنتجة للخطاب، بل تسري، في عمق مشاعرها وأحاسيسها، على كافة البشر، وإن بصور مختلفات وإيقاعات متفاوتة.




[1] - حاصل على ماجستير تاريخ الفن، كلية الفنون الجميلة بالقاهرة 2008م. وقد عمل أستاذ تاريخ الفن في معهد الشارقة للفنون بداية من عام 2008. ومن إصدارته كتاب "الفن التشكيلي العربي وأبرز مبدعيه"، دار سعاد الصباح، الكويت، 2002م (وقد نال هذا الكتاب الجائزة الأولى للإبداع الفكري والأدبي من دار سعاد الصباح في العام 2001م).- كتاب "عمائر المنمنمات الإسلامية".. دراسة جمالية، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2010م.- المجموعة الشعرية (صناعة الأنقاض) دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2012م.- رواية (امرأة خضراء) دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2014م. وهو حائز على عدة جوائز عربية - جائزة الإبداع الفكري والأدبي- دار سعاد الصباح الكويت 2001م- جائزة ديوان شعر الفصحى- هيئة قصور الثقافة – مصر2002/ 2003م- جائزة القصة القصيرة – وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع الإمارات 2013م. انظر الموقع الالكتروني: http://www.elaph.com/Web/Culture/2014/4/892140.html#sthash.I8IQrwUu.dpuf
[2] - محمد مهدي حميدة، قناص جبل الرّماد، شعر، منشورات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 2015م، ص. 8.
[3]- المصدر نفسه، ص. 14.
[4] - المصدر نفسه، ص، 38.
[5] - المصدر نفسه، ص. 45.

http://www.arrafid.ae/Raffid1232.pdf

الثلاثاء، 14 يونيو 2016

محمد مهدي حميدة .. روحانية صاعدة من رحم الغربة


ميدل ايست أونلاين
بقلم: عبدالسلام فاروق
ستنفد كل السنين فجأة
بأنامل روحانية هادئة لا تنطفئ جذوتها المتقدة، يكتب محمد مهدي حميدة الشعر والرواية والنقد متكئا على دراسة أكاديمية وبصيرة تشكيلية نافذة، ورؤية جمالية وفلسفية تستشرف جوهر الإنسان والطبيعة والبحر والنهر والأرض، وتتوق إلى الإمساك بخيوطها المتناغمة أو المتناقضة، لكن الكتابة الشعرية بجمالها وسحرها الآخاذ المتدفق بالموسيقي والألحان، تسرق كامل طاقته الإبداعية، فلا تترك سوى حيزا صغيرا تتسرب منه خلسة جداول الألوان التشكيلية والروائية الكامنة.
تعود علاقتي بالشاعر محمد مهدي حميدة إلي ما يقرب من الثلاثين عاما، فقد ألتقيته في نادي أدب سمالوط موطننا بمحافظة المنيا، عندما مر علينا آنذاك، وكان يمسك كراسة ملونة، ومنذ تلك اللحظة رأيت فيه شابا مندهشا وحالما وصاعدا كقامته المديدة نحو الكتابة، وبصوت خفيض يتلو أبياته الشعرية، أصيخ السمع وأنصت لما يتلوه، رويدا رويدا تزداد نبرة صوته رسوخا، وتتضح المعاني والدلالات، وتتشكل الصور والاستعارات والتشكيلات البديعة التي تطرب الآذان العربية، قصائد شعرية ممزوجة بموسيقي طازجة وندية لم أجربها من قبل، لا هنا ولا هناك، لا عند محمود درويش ولا محمد الماغوط، أو حتي أدونيس الذي كنا نقرأ أعماله من باب الوجاهة والتنطع والانتماء لحداثة ناقصة ومفتعلة.
أتذكر أنني أمسكت برهة صغيرة عن الكلام، ثم اندفعت قائلا: هيا يا صديقي .. أقرأ لنا قصيدة أخرى، من فضلك لا تتوقف، إنك شاعر أصيل، ولست نسخة مقلدة أو مشوهة، فقد كان شعراء ذلك الزمان "نهاية ثمانينيات القرن العشرين" يكتبون كلاما لا هو بالترجمة، وبالطبع لم يكن شعرا بالمرة، فالشعر الذي ينتمي إلى إبداعنا العربي الأصيل، كان ولا يزال هو شعر "المتنبي وشوقي والبياتي وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل"، فلا نحن استطعنا أن نحبه أو نتفهمه، لأنه بصريح العبارة كان مجرد كتابة ملغزة وغامضة تصد النفس عن القراءة، وكأنها دواء فاسد يؤذي أكثر مما يفيد.
في ذلك الوقت البعيد، كنت أشهد ولادة موهبة أدبية واضحة، تخطو خطواتها الأولى في الكتابة بنعومة وإصرار، مضت بنا الأيام وراح كل في سبيله، وتباعدت اللقاءات من سنة لأخرى، ثم انقطعت أخباره عني تماما، لا حس ولا خبر كما يقول المصريون.
بالطبع لم أنسه، فقد كان محمد مهدي نموذجا فريدا في أدبه وتواضعه وجموحه، حتى التقيته مصادفة خلال عيد الأضحي المبارك من العام الماضي 2015، ودار بيننا حديث تلغرافي قصير، أخبرني أنه يعمل في دولة الإمارات العربية، وقد صدرت له عدة كتب هي: "الفن التشكيلي العربي وأبرز مبدعيه"، دار سعاد الصباح، الكويت 2002 (وقد نال هذا الكتاب الجائزة الأولى للإبداع الفكري والأدبي من دار سعاد الصباح في العام 2001) وكتاب "عمائر المنمنمات الإسلامية .. دراسة جمالية" عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، 2010، المجموعة الشعرية "صناعة الأنقاض" ورواية "امرأة خضراء"، سوف يرسلهم لي عقب رجوعه إلى الشارقة.
وبالفعل تلقيت هذه الإصدارات خلال رحلة سريعة إلى الشارقة، وذات مساء من لياليها الهادئة، أخذت أتصفح نصوص محمد مهدي حميدة بمتعة عقلية وجمالية بصرية تمتح تشكيلاتها الفنية من شاعرية مرهفة العواطف مرهفة الأحاسيس، تتجسد في ذاته انعكاسات ما حوله، فلا يفصح عما في دواخله إلاّ عندما تبوح القصيدة بسرِّه. لذلك فحتى سنوات العمر وهو يبصرها تمر لا تعرف ما يخبئ لنا المجهول من آلام وأحلام ورغبات مؤجلة وسط موجات متلاحقة من صناعة الأضداد والأنقاض.
لذلك يصرخ بهدوء (عليك – وأنت تتحرر حتى من نفسك / أن تنسي دوما / كل ما حدث في الماضي / وأن تمشي مسلحا برائحة المجهول).
وتابع في قصيدة "العمر" من ديوان "صناعة الأنقاض": (ستنفد كل السنين فجأة / وتهجر أقراص المسكن / رغباتك المؤجلة / قبل أن تدرك / ولو لمرة واحدة / أن العمر مجرد ورشة لصناعة الأنقاض) ورغم ذاتية الصوت إلا أن القصيدة ترمز لبعد إنساني عام، يمزج بين الذاتي والموضوعي.
والذي يتابع أعماله يدرك أن الغربة التي تراوده هي من نوع غربة المبدعين والمتصوفة الذين ينسحبون من دوامة اليومي والسائد في حياة الناس من أجل خلق الفضاء التأملي الذي لا بد منه للتجلي والسمو في عالم الإبداع، ولا غرابة فقد بدأ منذ نشر قصائده الأولى في منتصف تسعينيات القرن العشرين في تأملات تدرجت في رموزها بإيحاءات فلسفية تربط الخاص بالعام بأهم القضايا التي تؤرق الإنسان ففي قصيدة "صناعة الأنقاض" يقول:
عندما تصير الروح
مقبرة وسيعة
تمتلئ بقبور كثيرة
لموتى أعزاء
سأبني حولها سورا ضخما بلا أبواب
وأقفز إلي الداخل
كل ليلة
حينما يبدأ قلبي في الوميض
لأرى من من الهياكل
سيركض سعيدا
لملاقتي قبل الآخرين
علي هذا النحو أعتقد أن كتابة الشعر عنده ستظل لحنا ناقصا وأملا متجددا بل وصراعا مستمرا على الدوام بين الذات والعالم، يسمو نحو صياغة أكثر إنسانية للحياة، منه نتعلم ضرورة الإخلاص، وعبر موسيقاه نتلمس جواهر النفس البشرية الصافية، وهي تتلظى بالأشواق في محاربة أمواج الغربة والتوحش والبربرية والطغيان.
وإجمالا فإن الشاعر محمد مهدي حميدة يكتب إبداعا ناعما، فهو البلسم الهادئ على ذاكرة الوطن والروح والجسد. ينسج قصائد تجريدية أو تجريبية "لا فرق". يرفض ثقافة التخلف وصناعة التناقض. يحاسب الماضى ويعاقبه. لم يتخل أبداً عن قراره بامتلاك أقصى درجات الحرية، إنه الحالة الاستثناء، التي تفتح مسارات الدهشة والميلاد والجمال، لتأتي أعماله ممتلكة لوعيها الثائر وقانونها الخاص.
بشكل عام وبشكل خاص، قصائد محمد مهدي حميدة ومضات ضوء ساحر تمنح القارىء وعياً وفكراً واندفاعات. وإذا كان حضوره الثقافي الآن هو روح الفنان وعشق الإنسان، فإن المستقبل سيسجل أنه من المبدعين الذين غيروا مسارات الإبداع.

http://www.middle-east-online.com/?id=225375

الأحد، 1 مايو 2016

قناص جبل الرماد محمد مهدي حميدة

رؤية نقدية
قناص جبل الرماد محمد مهدي حميدة

أحمد محمد جلبي
روائي ـ عضو نادي القصة المصري
صحيفة الأهرام المسائي- 1 مايو 2016



امتلأ الميدان الآن‏,‏ تجارب الرواد أعطت دفعة لوجيستيه في كثير من المعاني والمضامين والخيالات‏,‏ خطت علي الجدران وفوق الأسطح العالية للعربية نوافذ والرواد جاءوا من كل الأرجاء من مصر دنقل وعبد الصبور وحجازي‏,‏ ومن العراق نازك الملائكة والسياب والبياتي‏.
هؤلاء الأهم في المسيرة الشعرية للقصيدة التفعيلية المتحررة من القيود الخليلية الصارمة في تساوي عدد تفعيلات البيت ونظام القافية لصالح بناء لغوي داخلي للقصيدة, استطاع مع الوقت والتجارب الناجحة أن يوجد التوازن بين القيد الذي ترك لصالح التجديد والقيد الذي فرضه الشعراء علي شكلهم الجديد ليخلف ويوازن ويحكم التوتر الوتري الدقيق والهدوء الإيقاعي للجملة والمفردة الشعرية, وبذلك تستمر المفردة الشعرية ووحداتها التي تشكل القصيدة أغنية بالإيقاع الموسيقي للمفردة اللغوية العربية قادرة علي عمل شيئين مهمين في الشعر ألا وهو سهولة الاستظهار والتغلغل في الشعور يجرنا هذا إلي الحديث عن ديوان( قناص جبل الرماد لـ محمد مهدي حميدة الصادر عن دائرة الإعلام والثقافة بالشارقة) الديوان ليس الأول للشاعر القناص لكنه مع ذلك بذل الكثير من الجهد للإفلات من دائرة التشابه التي وقع فيها غيره من شعراء الحر, والعناية هنا يلزمها الكثير من الثقافة الواسعة والحاسة النقدية اليقظة التي تجعل الطيران ممكنا والسباحة حتي نقطة الفوز, وتحقيق الهدف, يبدأ الديوان بقصيدة عدميون( فاجتهدنا في محو أشكالنا من عيون الناس وضللنا جميع الكائنات وكل الجمادات, بارتداء أقنعة ميتة بلا ملامح..) قائلا المعني باللفظ الصريح الفصsيح مع غرابة الموضوع محاولا إظهار الحقيقة الباطنية واستيفاءها علي قدر غرض القصيدة, يتضح ذلك أكثر قليلا في قصيدة( دودة القز الأخيرة.. ثم أعين ماكرة) والشاعر العظيم هو من يشعر بجوهر الأشياء لها يعدد أو يصوب أو يحدد ماذا يكون شكله وكنهه بل يصل إلي لب الحياة والحقائق خارقا جدار الشعور لديك( وتأملنا حينذاك بأعين ماكرة, تصحبها إيماءات تهكمية, مجموعات غريبة منقوشة علي جدار غير مرئي تقريبا..) علي الرغم من ظاهرة التصويرات ذات المنحي الثقافي الأوروبي التي تغذي جو القصائد(.. لمتأملين آخرين, ظنوا أنهم هم أنفسهم ـ ودون الجميع ـ أول من يقف علي هذه الرقعة الشاسعة الأبدية أمام نفس الجدار) إلا أن رومانتيكية الفلسفة تغطي علي هذا المزج لتتخطي به الذائقة الشعرية الأبعد لصالح وفائدة الشعر العربي في علاقة شاعرية مميزة لا تقصي الرمز الكلاسيكي التقليدي, وتحتفظ بالتيار الحداثي ونزعته( أحد العشاق المنسيين من داخل كهفه الذي سيطمر لاحقا, ويفشل الأركيولوجيون بعد آلاف السنوات في الوقوف علي كينونته الكاملة, وإدراك الحقائق الأكيدة عن جدوي وجوده..). في مصر التي ينتمي إليها الشاعر محمد مهدي حميدة اتسعت خريطة الاتجاهات الشعرية وتجاوزت المذاقات المختلفة حتي أن الشاعرية اللغوية العربية تطورت لمدي ومجالات أرحب وأوسع مما كان يمكن أن يفعلها الشعراء في مكان آخر, مجالات مثل الطبيعة الشاعرية, خصائص اللفظ والصياغة ومادة الشعر ذاتها والموسيقي الداخلية أوالخارجية للوزن واختيارات العبارة والكلام والمعني الموفي الشافي الكامل, مدارس تجاوزت وتجاوزت فكرة القديم والجديد بأنصارهما ومشاهيرهما وتداخل ذلك كله حتي صنع النسيج ونسخ القديم والأقدم والأبعد وقابل بين أمم وثقافات وتجارب حول العالم, هذا مجهود يتجاوز كل ما فعله اللاتين واليونان في تراثهم الشعري الحداثي, والفرق كبير بين محاولة استعارة ثوب وحياكته(.. سيمكن العثور علي بعض منك, أو قل أن شئت, سيمكن العثور عليك, وحيدا فوق أكوام هائلة من عظام بشرية وبقايا طيور ملونة قتيلة وذكريات فرت بأعجوبة) هناك دائما أغوار عميقة في النفس البشرية وأسرار, مواضع من المثيرات للشجون والآلام والإيحاءات, لم تطأها بعد قدم شاعر عربي أو عجمي ومن منطوق النص الأدبي يذهب ديوان( قناص) نحو ذلك العمق كما لو كان يغوص في باطن الأرض أو في الرماد( من بلاد منطقة وافلة إلي حد ما, ومنزوية إلي خسائرها الجمة, هناك حيث يقبع دوما قناص ماكر, فوق جبل شاهق من الرماد) ليس الشعر فرعا من فروع بطريقة التلقين أو النظم أو التمرس, لأنها في البداية تؤخذ من مادة سامية راقية, وكل ما في الحياة يسمو بمقدار ما فيه من الشاعرية, ولذلك يحسن الشاعر معاني مطلقة في حد ذاتها, الخوف الحب, الكراهية الإرادة, الحقد, الرحمة, الجنون, بقدر ما يوجد من شعر في كل معني من هذه الأشياء بقدر ما يسمو ويعلو ويتعاظم( بلورة: أود أن أحبسكم جميعا في بلورة سحرية وأستدعيكم بلا تعاويذ أو طلاسم لتحدثوني عن مستقبل الأرض ونهاية العالم, ثم دون أن أعبأ بعويلكم المكتوم, سأغفو قليلا, قليلا علي سطح متكور, تعتقدون من داخل محبسكم أنه السماء صـــ37). الشاعر اقترب بشدة من نفوس المتلقين, أولئك الذين تحيرهم الألغاز والتساؤلات, ولديهم بشدة ظمأ ثقافي وتجاوب نحو أحداث كثيرة في العالم من حولهم, ومظاهر ذلك واضحة... علي الأقل بالنسبة لنفس الشاعر ومصاحبة لحالة التجلي والاقتراب التي تجسدها رؤيته ما حوله( سيناريوهات وشيكة, خريطة) نحن المنتشرون علي جانبي مضمار سباق غير مرئي..؟!
ومن المنطقي أن تظهر نزعة سريالية في هذا العمل وتكون قائدة نحو منهج يمزج بين( إيقاعات وقوانين كونية وطقوس في اللفظ الحداثي للمدينة ومدينة العولمات) ويداعب هذا اللاوعي هادفا إلي أن تتعرف علي ما في النفوس وتكشفها وتتحدي قوي أكبر من كل قدراتنا في الواقع والحقيقة مثل كونية الموت والحياة وثنائياتها, وليس بهدف هزيمتهم في الواقع أو الخيال, بل لأن تحديهما له لذة غير عادية تصنع عذوبة عرية خطيرة وتجذب كقرص الشمس المضيء النغمة الشاردة لشعر السطر فيتوهج للحظات ثم يذوب في الملكوت, إلي هنا انتهي الإبحار والصعود لجبل الرماد ولنا عود؟!.

http://massai.ahram.org.eg/NewsQ/10450/184651.aspx

الجمعة، 1 يناير 2016

صناعة الأنقاض .. بين ملحمية الرؤية ومعمارية البنية

صناعة الأنقاض .. بين ملحمية الرؤية ومعمارية البنية

حمزة قناوي
مجلة رؤى – بنغازي – العدد العاشر – مايو/يونيو 2014

في عمله الشعري (صناعة الأنقاض) يدهشنا محمد مهدي حميدة، برؤيته الفنية دقيقة الالتقاط، وحاسته المرهفة التي تتعامل مع تفاصيل ومفردات الأشياء وتكاد تحيلها إلى عناصرها الأولى، كاشفةً عن البنى الخفية التي تربطها في سياقات إبداعية مغايرة للواقع، وهو ما يُنتِج الشعرية. المُغايرة والانزياح هما أساس الشعرية. وهو الخط الفني الرئيس المُشكِّل لرؤية المبدع في هذا الديوان.
من عتبة النص- عنوان العمل- نطالعُ انزياحاً "افتتاحياً" محيِّراً، يصلُ إلى حدِّ التناقض، وذلك بعنونة العمل بـــــــ (صناعة الأنقاض)، فـــ (الصناعة) مُعجَميَّاً تعني الإنشاء والبناء والحرفة ومهارة الابتكار، وهو ما يُعاكِس مفهوم (الأنقاض)، بما يوحي به من تهدُّم وانهيار غير مُنظَّم. من هذا التعاكس تولَد الرؤية. والرؤية- كما هو معروف- هي عماد النص الشعري و"معماره"؛ وفي حالة الديوان الذي بين يدينا، فإن المعمار الفني لم يقتصر على الرؤية فقط وانبعاثه منها، إنما اعتُمِدَ أساساً لبناء الديوان، في بنيةٍ محكمةٍ أطَّرها الشاعر بتوزُّعها على ثلاث مجموعات داخلية (تقسيمات) لقصائد الديوان، وجعل كلَّاً منها تحتوي عدداً من القصائد، وهذه المجموعات الثلاث هي (أستبدِلُ قلبي بجناحين يرفرفان)، (أُلوِّحُ لجسدي وهو يتدلَّى)، (أمضي إلى الضفةِ الأخرى). وحتى في هذا التأطير نلاحظ أن الشاعر لجأَ إلى إحكام التوزيع بصورةٍ دقيقة، حين جعلَ قصائد المجموعة الأولى نصف الثانية، وعدد قصائد الثانية نصف الثالثة (5 و11 و22 قصيدة على التوالي)! فهل المصادفة وحدها هي التي جعلت "بنائية معمار" المجموعة على هذا النحو من التوزيع المنهجي الصارم؟
وفق المنهج الإحصائي للنقد فإن العناصر المُجمَّعَة في حقول تصنيفية محددة لا بد أن تكون لها وظيفة دلالية، ولدى أي مبدع لا يتم هذا التوزيع اعتباطياً، إنما يكون دالاً على رؤية المبدع والرسالة الإبداعية التي يود إيصالها، وهذا ما سنكتشفه عند التناول الموضوعي- الثيماتي لقصائد الديوان في أقسامها الثلاثة.

فنية النص بين تراسل الحواس والتقاء الأجناس
محمد مهدي حميدة فنان تشكيلي، يبدو هذا جلياً في النصوص التي بين أيدينا، والتي يلتقي فيها التشكيل البصري والبناء الهندسي بمفردات كل منهما، من ألوان وإضاءة وزوايا التقاط للمشهد وتمازج وتصوير وتسجيل وسيمترية، عبر الأداة التعبيرية الأبرز: الكتابة.
التقاء هذه الأجناس النوعية في بناء فني واحد يثري العمل ويخلقُ تكامله في انفتاح عناصره كل منها على الأخرى، وصولاً إلى تجسيد رؤية العالم لدى الشاعر عبر تراسل الأجناس، وهو ما يُلقي على المُتلقي عبئاً آخر، يتمثل في ضرورة إرهاف حواسه، واستحضار خلفياته المعرفية والاستعانة بأدوات أكثر من فنٍ عند تلقي النص بصورةٍ تستطيع استنطاقه بكل ما فيه من شفراتٍ تنتمي إلى هذه الحقول المختلفة.
إن الخط الأسلوبي الرئيس لقصائد الديوان الذي تتشاركه هو التكثيف والاختزال، فالقصائد قصيرة ومُكثَّفة ومُحمَّلة بأوجه التأويل والقراءة لمستويات المعنى. تتشارك جميعها في ذلك الخط الأسلوبي. بل إن هذا الاختزال والقِصَر والتكثيف وسَمَ عناوين القصائد أيضاً، فلم تتعدَّ جميعها مفردةً واحدة في تسمياتها من أولى قصائد الديوان إلى آخرها، مثل (بهجة- وميض-صخور- لقاء-المبلَّلون- الضرير-الحديقة- البالون- البحيرة- الضوء- الأحلام- الأحزان- الموت).
وإضافة إلى التوحُّد الأسلوبي لقصائد الديوان، نجد أن هناك توحُّداً فنياً وسمَ القصائد، حيث وجدناها جميعاً تعتمد التخييل القائم على التشخيص و"أنسنة" عناصر الفضاء النصي ومفرداته (مقابل التشييء في حال إسقاط سمة الحياة عن الكائنات وإلحاقها بعدمية الموجودات). فالتخييل المعتمد على خلق علاقات جديدة بين العناصر وعلى طرح تصور مختلف لرؤية العالم ومفرداته بعين الذهن لا الحس هو المسيطر على المجموعة.
يقول الشاعر في قصيدة (صخور):
" تؤدي الصخور أدوارها ببراعة ببراعة ممثلين صامتين
على خشبةِ مسرحٍ كونيٍّ
فتقضي سنوات عمرها المديد
ملتحمةً مع بعضها البعض في جسدٍ ضخمٍ لجبلٍ شاهق
يعيش الحياة متأملاً الطريقة التي يقفز بها الضفدع من مكانٍ إلى مكان".
ففي النص السابق نطالعُ أكثرَ من ملمحٍ فني يلتقي ليمنح النص شاعريته وأبعاده المتجاوزة الواقع، بدءاً من العناصر الكلاسيكية لفنيات البلاغة: التشبيه والاستعارة، في تشبيه الصخور بالبشر، متجاوزاً ذلك إلى التشخيص بما يتلازم معه من حياةٍ وحركة ومواقف وانفعالات وتكوين رؤية.
فالصخور هنا التي تُكوِّن الجبل كأنَّما هي خلايا حيَّة لجسدٍ عملاق ينبض بالحياة، غير أنه ثابتٌ وراسخ في مكانه، تماماً كالممثلين الشاخصين على خشبة المسرح، يتأمَّل العالم بما قُدِّر له من إمكانات الثبات واللافعل ومقدراتهما، غير أن المفارقة تُطالِعُنا في نهاية النص حول هذا الجبل (الحي) الذي يتأمَّل ويُراقِب ويُمارِس تمارين يومية للتنفُّس والحركة، قبل أن يُفضي ذلك كله إلى انفجاره. يتغير تركيب النص الهادئ من حالة التأمُّل والسُّكون إلى الخلق والتغيُّر. الحمم التي تتقاذف دافعةً الهواء الفاسد من قلب الجبل، تهتز الأرض، تتحرك بلايين النباتات متحفزةً بينما تهوي السماء السوداء عليها بالحمم وتتشقق الأرض بالحمم والصخور الهشَّة المتداعية، ليتهاوى الجسد من حالقٍ على هذا المسرح الكوني المهيب!
إن التأويل الأوَّلي لهذا النص في المستوى الثاني من قراءة عناصره يحيلنا إلى "التفسير" المُباشِر لها؛ فالجبل إنسانٌ يُراكِم خبرات المعرفة ولا يُمارِس الفعل بسبب الطبيعة التي جُبِل عليها، غير أن "لحظة التحوُّل" التي تُعدُّ بمثابة "بيت القصيد" في النص الشعري لدى العرب، هي تلك التي ينفجِرُ فيها سكون الجبل منقشعاً عن انفجارٍ بركانيٍّ هائِل، يعيد ترتيب طبيعة الأشياء من حولِه، والمحيط الحيوي الذي يحيط به من مفردات وعناصر وأشياء. إن الغرض الشعري أوضَح من أن يُؤوَّل في هذا النص، وهو يستعرض فكرة التغيُّر باعتباره الثابت الوحيد، وأن باطن وأعماق الموجودات لا تمثل بالضرورة ظاهرها، فثمة تحوُّلات عميقة وتحركات باطنية في أعماق هذا الكون تعيد ترتيب صيرورة الأشياء وتغير تموقعها من العالم.    
وإن كانت الصياغة والتعبير هما أساس أي نص لا مقصده، فقد استطاع شاعرنا ببراعةٍ أن يبني نصه على إبراز التناقضات التي يُكوِّن تباينها العالم، وعناصره وطبيعته، وصولاً إلى الكشف عن حقيقة الظواهر عبر لقطةٍ سريعة اعتمدت الإدهاش والمفاجأة والتكثيف.
وتتسم قصائد المجموعة بنائياً بقِصرِها الواضح، وقدرتها على الكشف. هذا القِصر الذي يتجاوز قليلاً (القصيدة الومضة) التي لا تزيد عن بيتين أو ثلاثة أبيات، ويقترب من مفهوم الإبجرامات المستمد من الشعر اليوناني، وكان أوَّل من نظَّرَ له ونقله إلى البيئة النقدية العربية هو د. طه حسين، وأوَّل من طبَّقه في البيئة الشعرية العربية تلميذه د. عز الدين إسماعيل في ديوانه (دمعةٌ للأسى. دمعةٌ للفرح).

تتابع الرؤية. تراتبية البناء
في عنونةِ الأقسام الثلاثة المُشكِّلة لهذا الديوان نجد أن هناك رابطاً عضوياً يجمعها معاً، كأنما هناك تراتبية تحكم الرؤية، وتتتابع بدقةٍ ومنهجية لدى المبدع في رحلةٍ وجودية؛ فالقسم الأول من الديوان معنون بـــــ ( أستبدِلُ قلبي بجناحين يرفرفان)، وهي الإشارة الأولى لهذه الرحلة التي ستنطلق في تلمُّس جوهر الأشياء وكينونات عناصر الحياة، وهي أيضاً ستحكُم رؤية الشاعر بما تحمله من رهافةٍ وحسٍّ مضاعف مصدره الانتقال من حالةٍ إلى أخرى عبر التحوُّلات الروحية التي تحكم هذه الرحلة الوجودية في مسارها المتحرِّك، فبعد استبدال القلب بالجناحين، في إشارة إلى الانعتاق وتحرير الروح من الجسد وأثقاله ومنحه خفة التحليق عبر هذين الجناحين، تبدأ الرؤية في اتخاذ مسارها عبر هذا الوضع الجديد، ثم تنتقل في متوالية طبيعية إلى المستوى الثاني من هذا التغيُّر، حيث ينفصل الجسد عن قلب صاحبه المُحلِّق بجناحيه، وتتسع الرؤية للرائي، فيُلوِّح لجسده المُتدلِّي من بعيد في القسم الثاني (ألوِّح لجسدي وهو يتدلَّى) قبل أن توصلنا هاتان المرحلتان إلى المرحلة الأخيرة المتوالية تراتبياً بنسقٍ طبيعي محكوم بحتمية المسار، وهي التي عنونها الشاعر بـــــــ (أمضي إلى الضفة الأخرى) كما يشير التأويل في مستواه الأول هي الموت، وهو المسار الأخير في تتابع ارتقاء الروح مداراتها والتحليق عالياً حتى الوصول إليه، وهي خلال هذا التحليق ترى عبر المسافات الكافية لتقييم الأشياء ما يمنحها النفاذ إلى جوهرها الحقيقي، وهو جوهر عادةً ما يصدمُ الشاعر في اكتشافه لحقائق الأشياء عبره، وأنها على النقيض من ظاهرها المتجلي، ما وسمَ قصائد الديوان بالأسى، وبما يقترب من رسم لوحةٍ بانورامية للحياة، عمادها التقاط مفارقاتها الزائفة والموجعة في آن.
هذا الفضاء النفسي الموسوم بالحزن وبالصدمة من الحقائق المراوغة للحياة ومن أكاذيب البشر وطبيعة الحياة المتجهة للهدم والفناء لا الخلق والبناء، يعد إحدى السمات الفنية المؤسِّسة لكل قصائد الديوان، ما يجعلنا نُصنِّفه بثقة في إطار المدرسة الرومانسية بما تتسم به من شاعريةٍ وجنوح للأسى والاصطدام بحدة الواقع والتماهي مع الطبيعة.
إن ديوان "صناعة الأنقاض" لمحمد مهدي حميدة، يحاول عبر حمولته الفنية تحليل وجودٍ كامل واستنطاق عناصره في نصوصٍ تبحث عن مركز الدائرة في الأشياء، وطرح أسئلة الوجود على المتلقي دون الوصول إلى إجابات مؤكدة، دون أن ينحاز سوى للبناء الفني وعناصر القيمة الجمالية في محاولة استنطاق الوجود شعرياً بفضاءاته الضاجة بحيرة اللايقين.