الثلاثاء، 14 يونيو 2016

محمد مهدي حميدة .. روحانية صاعدة من رحم الغربة


ميدل ايست أونلاين
بقلم: عبدالسلام فاروق
ستنفد كل السنين فجأة
بأنامل روحانية هادئة لا تنطفئ جذوتها المتقدة، يكتب محمد مهدي حميدة الشعر والرواية والنقد متكئا على دراسة أكاديمية وبصيرة تشكيلية نافذة، ورؤية جمالية وفلسفية تستشرف جوهر الإنسان والطبيعة والبحر والنهر والأرض، وتتوق إلى الإمساك بخيوطها المتناغمة أو المتناقضة، لكن الكتابة الشعرية بجمالها وسحرها الآخاذ المتدفق بالموسيقي والألحان، تسرق كامل طاقته الإبداعية، فلا تترك سوى حيزا صغيرا تتسرب منه خلسة جداول الألوان التشكيلية والروائية الكامنة.
تعود علاقتي بالشاعر محمد مهدي حميدة إلي ما يقرب من الثلاثين عاما، فقد ألتقيته في نادي أدب سمالوط موطننا بمحافظة المنيا، عندما مر علينا آنذاك، وكان يمسك كراسة ملونة، ومنذ تلك اللحظة رأيت فيه شابا مندهشا وحالما وصاعدا كقامته المديدة نحو الكتابة، وبصوت خفيض يتلو أبياته الشعرية، أصيخ السمع وأنصت لما يتلوه، رويدا رويدا تزداد نبرة صوته رسوخا، وتتضح المعاني والدلالات، وتتشكل الصور والاستعارات والتشكيلات البديعة التي تطرب الآذان العربية، قصائد شعرية ممزوجة بموسيقي طازجة وندية لم أجربها من قبل، لا هنا ولا هناك، لا عند محمود درويش ولا محمد الماغوط، أو حتي أدونيس الذي كنا نقرأ أعماله من باب الوجاهة والتنطع والانتماء لحداثة ناقصة ومفتعلة.
أتذكر أنني أمسكت برهة صغيرة عن الكلام، ثم اندفعت قائلا: هيا يا صديقي .. أقرأ لنا قصيدة أخرى، من فضلك لا تتوقف، إنك شاعر أصيل، ولست نسخة مقلدة أو مشوهة، فقد كان شعراء ذلك الزمان "نهاية ثمانينيات القرن العشرين" يكتبون كلاما لا هو بالترجمة، وبالطبع لم يكن شعرا بالمرة، فالشعر الذي ينتمي إلى إبداعنا العربي الأصيل، كان ولا يزال هو شعر "المتنبي وشوقي والبياتي وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل"، فلا نحن استطعنا أن نحبه أو نتفهمه، لأنه بصريح العبارة كان مجرد كتابة ملغزة وغامضة تصد النفس عن القراءة، وكأنها دواء فاسد يؤذي أكثر مما يفيد.
في ذلك الوقت البعيد، كنت أشهد ولادة موهبة أدبية واضحة، تخطو خطواتها الأولى في الكتابة بنعومة وإصرار، مضت بنا الأيام وراح كل في سبيله، وتباعدت اللقاءات من سنة لأخرى، ثم انقطعت أخباره عني تماما، لا حس ولا خبر كما يقول المصريون.
بالطبع لم أنسه، فقد كان محمد مهدي نموذجا فريدا في أدبه وتواضعه وجموحه، حتى التقيته مصادفة خلال عيد الأضحي المبارك من العام الماضي 2015، ودار بيننا حديث تلغرافي قصير، أخبرني أنه يعمل في دولة الإمارات العربية، وقد صدرت له عدة كتب هي: "الفن التشكيلي العربي وأبرز مبدعيه"، دار سعاد الصباح، الكويت 2002 (وقد نال هذا الكتاب الجائزة الأولى للإبداع الفكري والأدبي من دار سعاد الصباح في العام 2001) وكتاب "عمائر المنمنمات الإسلامية .. دراسة جمالية" عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، 2010، المجموعة الشعرية "صناعة الأنقاض" ورواية "امرأة خضراء"، سوف يرسلهم لي عقب رجوعه إلى الشارقة.
وبالفعل تلقيت هذه الإصدارات خلال رحلة سريعة إلى الشارقة، وذات مساء من لياليها الهادئة، أخذت أتصفح نصوص محمد مهدي حميدة بمتعة عقلية وجمالية بصرية تمتح تشكيلاتها الفنية من شاعرية مرهفة العواطف مرهفة الأحاسيس، تتجسد في ذاته انعكاسات ما حوله، فلا يفصح عما في دواخله إلاّ عندما تبوح القصيدة بسرِّه. لذلك فحتى سنوات العمر وهو يبصرها تمر لا تعرف ما يخبئ لنا المجهول من آلام وأحلام ورغبات مؤجلة وسط موجات متلاحقة من صناعة الأضداد والأنقاض.
لذلك يصرخ بهدوء (عليك – وأنت تتحرر حتى من نفسك / أن تنسي دوما / كل ما حدث في الماضي / وأن تمشي مسلحا برائحة المجهول).
وتابع في قصيدة "العمر" من ديوان "صناعة الأنقاض": (ستنفد كل السنين فجأة / وتهجر أقراص المسكن / رغباتك المؤجلة / قبل أن تدرك / ولو لمرة واحدة / أن العمر مجرد ورشة لصناعة الأنقاض) ورغم ذاتية الصوت إلا أن القصيدة ترمز لبعد إنساني عام، يمزج بين الذاتي والموضوعي.
والذي يتابع أعماله يدرك أن الغربة التي تراوده هي من نوع غربة المبدعين والمتصوفة الذين ينسحبون من دوامة اليومي والسائد في حياة الناس من أجل خلق الفضاء التأملي الذي لا بد منه للتجلي والسمو في عالم الإبداع، ولا غرابة فقد بدأ منذ نشر قصائده الأولى في منتصف تسعينيات القرن العشرين في تأملات تدرجت في رموزها بإيحاءات فلسفية تربط الخاص بالعام بأهم القضايا التي تؤرق الإنسان ففي قصيدة "صناعة الأنقاض" يقول:
عندما تصير الروح
مقبرة وسيعة
تمتلئ بقبور كثيرة
لموتى أعزاء
سأبني حولها سورا ضخما بلا أبواب
وأقفز إلي الداخل
كل ليلة
حينما يبدأ قلبي في الوميض
لأرى من من الهياكل
سيركض سعيدا
لملاقتي قبل الآخرين
علي هذا النحو أعتقد أن كتابة الشعر عنده ستظل لحنا ناقصا وأملا متجددا بل وصراعا مستمرا على الدوام بين الذات والعالم، يسمو نحو صياغة أكثر إنسانية للحياة، منه نتعلم ضرورة الإخلاص، وعبر موسيقاه نتلمس جواهر النفس البشرية الصافية، وهي تتلظى بالأشواق في محاربة أمواج الغربة والتوحش والبربرية والطغيان.
وإجمالا فإن الشاعر محمد مهدي حميدة يكتب إبداعا ناعما، فهو البلسم الهادئ على ذاكرة الوطن والروح والجسد. ينسج قصائد تجريدية أو تجريبية "لا فرق". يرفض ثقافة التخلف وصناعة التناقض. يحاسب الماضى ويعاقبه. لم يتخل أبداً عن قراره بامتلاك أقصى درجات الحرية، إنه الحالة الاستثناء، التي تفتح مسارات الدهشة والميلاد والجمال، لتأتي أعماله ممتلكة لوعيها الثائر وقانونها الخاص.
بشكل عام وبشكل خاص، قصائد محمد مهدي حميدة ومضات ضوء ساحر تمنح القارىء وعياً وفكراً واندفاعات. وإذا كان حضوره الثقافي الآن هو روح الفنان وعشق الإنسان، فإن المستقبل سيسجل أنه من المبدعين الذين غيروا مسارات الإبداع.

http://www.middle-east-online.com/?id=225375