الثلاثاء، 6 أبريل 2021

«قناص جبل الرماد» لمحمد مهدي حميدة جمالية البناء الكُليّ للصورة وشعرية المغايرة


«قناص جبل الرماد» لمحمد مهدي حميدة

جمالية البناء الكُليّ للصورة وشعرية المغايرة 

د. حمزة قناوي 

صحيفة "المصري اليوم" عدد ٧ أبريل ٢٠٢١

يحفلُ ديوان «قناص جبل الرماد» للشاعر محمد مهدي حميدة[ ١] بالاختلاف والتمايز من حيثُ الشعريةِ والإبداعيةِ والصورة، يبدأُ هذا التمايزُ منذ «العنونة»، مما يكشف لنا عن فهم الشاعر لأهمية العنوان ودلالته، فقد صار ينظر للعنوان بوصفهِ «... نظاماً سيميائياً ذا أبعادٍ دلاليةٍ، وأخرى رمزية، تغري الباحث بتتبع دلالاته، ومحاولة فك شيفرته الرامزة.»[٢ ]، واختار الشاعر محمد مهدي حميدة عنونةً جذابةً، تُشِّوقُ القارئ وتُرغِّبُه، وتجعله يبحث عن المعنى المتضمن في داخله، وبالتالي التشوق إلى المعنى المتضمن في مجمل الديوان، ونحلل هنا سبب التشويق الذي  اكتسبه العنوان، فنجد التركيب اللغوي المغاير والمختلف عن المألوف،  سرَّ جمالِ هذه العنونة، طريقة ارتباط الكلمات بعضها ببعض هو ما يضفي الجمالية على المضمون، فــ «الكلمة تشكل الركن الثاني مباشرة بعد الصوت في بناء النص الشعري، على أنه لا يمكن فهم أي كلمة على نحو تام بمعزل عن الكلمات الأخرى ذات الصلة بها؛ والتي تحدد معناها؛ لأن معنى الكلمة يعتمد في المقام الأول على معاني الكلمات المتضافرة.  وبرغم تعدد المفاهيم فإنّنا نستطيع القول: إن الكلمة تساوي الوحدة المعجمية التي تشكل بدورها الوحدات الصغرى للنص؛ ولا يمكن فهم معنى الكلمة أو الوحدة المعجمية للنص بمعزل عن الوحدات المعجمية الأخرى.» [٣ ]

يرشدنا هذا النص إلى طريقة تعامل تشريحية مع العنونة التي توقفنا إزائها، فـ«قناص جبل الرماد» تكتسبُ جمالياتِها من التجاور والعلاقات المتبادلة بين كل مفردةٍ وأخرى، وفي اعتقادي أن ما منح العنونة شاعريتها هو التركيب الإضافي «جبل الرماد»، فهنا يبرزُ تناقض معنوي، بين «قناص» الذي يوحي دائماً بالقوة، والتربص، والانتظار، وربما المكر والخداع أيضاً، وهي كلها إيحاءاتٌ دلاليةٌ نستدعيها بمجردِ التفكير في القناص، ثم إلصاق القناص بجبل، ونلاحظ هنا مجيء «الجبل» نكرة، فهي تكتسب تعريفها من الإضافة إليها، ومن ثم إذا سرنا في الدلالة الخطية: «قناص جبل» لوجدنا أن المعنى قد تضاعَف في معاني القوة والاتساع، فنحن نتحدث عن قنَّاصٍ يعتلي الجبل، أو يقيم فوقه، أو قناصٍ يستهدفُ من يصعد إلى جبلٍ مُعيّن، وتبقى المفردة في انتظار ما يضفي عليها المعنى النهائي، ليأتي هذا المعنى النهائي منقلباً على كل المعاني التأسيسية، فتختفي مفاهيمُ القوة، وتنقلب إلى مفاهيم الضياع والتشتت، فهذا الجبل هو  «الرماد»، و«الرماد»  هنا معرفةٌ بالألف واللام، ومُعرِّفةٌ أيضاً لكلٍ من القناص والجبل، ليصبح كلٌ منهما حاملاً لمعنى من معاني النقص والاستلاب، «الرماد»، رمزٌ لانفضاض الأمر وانقضاء الوقت دون تحقق شيء، أو رمزٌ للهزيمة والانكسار، فقد تحولت معاني القوة والهيمنة والسيطرة إلى معنى آخر من ضياع الوقت وانقضائهِ دونَ تحقيقِ الهدف، أو إلى معنى انفضاض الأمر، وتحوُّل ما كان قائماً إلى مُنتَهٍ لا يبقى منهُ إلا أثره.

إذن نلمس حساسيةً مرهفة في اختيار الكلمات، وطريقة تركيبها معاً، وهو ما يجعلُنا نفترضُ أنَّ اختياراتِ الكتابة قد تم التدقيقُ فيها بشِدَّة، ومن ثمَّ نَمضي في داخل ثنايا النص للبحثِ عن معانٍ إضافيةٍ للعنونة، وهنا يسيرُ التأثيرُ والتأثرُ في اتجاهينِ مُتقابِلين، فكل المعاني التي تضفيها القصائد على العنونة، تتأثرُ في الوقت ذاته بما تضفيه العنونة عليها من معنى، فهنا سننظرُ للديوان بمجمله على أنه يسير في دائرة البحث عن إمكانية التحقق وعدم التحقق، عن شيءٍ كان تاماً وانقضَى تماماً واشتعل ولم يبقَ منهُ إلا رمادُه، ولن نجد في داخل النص إشارة للرماد إلا في قصيدة: «دائرة»، والتي يقول الشاعر فيها:

«وحيداً/ فوقَ أكوامٍ/ هائِلةٍ/ من عِظامٍ بَشريّةٍ/ وبقايا طيورٍ مُلونةٍ/ قتيلةٍ/ وذكرياتٍ فرَّت/ بأعجوبةٍ/ من بلادٍ مُنطَفِئَةٍ/ وآفلةٍ إلى حدٍّ ما/ ومُنزويةٍ/ إلى خسائِرِهَا الجَمَّةِ/ هُناك/ حيثُ يقبعُ دوماً/ قنَّاٌص ماكرٌ/ فوقَ جَبلٍ شَاهِقٍ/ من رَمادْ» ص34-35

جبل الرماد هنا يتكونُ من بَقايا العظامِ البَشريةِ، وبقايا الطيورِ المُلوَّنةِ، هو رمزٌ لانكسارِ الأحلامِ ولعبثيةِ عدمِ القدرة على تحقيق شيء في هذه الحياة، ولكن قبل أن نستفيضَ في إضفاء تأويلاتنا على المعاني المستنتجة علينا أن نتوقف عند التراكب اللفظي وطريقة بناء جمالية القصيدة في الديوان، الذي ينتمي إلى المدرسة السوريالية والدادائية في طريقة تشكيل الصورة، وفي طريقة توصيل المعنى، فنحنُ أمام معادلات موضوعية للقضايا الحياتية الكبرى، لكن لا يتم تقديمها بطريقة تقليدية، وإنما بطريقة يتم فيها بناء الصورة بشكل مدهش، وتترابط فيها الصورة ترابطاً كلياً، لا يمكن معه تفكيكها إلى أجزاء، وهو يخالف البناء المقطعي الذي اعتدناه في الشعر الحديث المعاصر، فهنا نحن أمام طاقة إيحائية كبيرة للصورة، يجعلها توصِل للمتلقي أكثر مما تتضمنه في داخلها، باعتبار أنّ: «الطاقة الإيحائية للكلمات لا يمكن أن تتحقق وتكتمل إلا عبر العلامات التي توجه التقاءَها وتراكبها في الخطاب الشعري.»[٤ ]       

إذن يمكن القولُ إننا أمامَ حالةٍ من حالاتِ الوحدة العضوية المتكاملة، التي تظهر منذ العنوان، وتترابط معنوياً مع المُضيّ في ثنايا القصائد، وأمام حالةٍ من حالات الصورة الكلية المرتبطة معاً بشكلٍ يحتاج إلى التدقيق في كيفية تكوينها وبنائها، ورغم ما يبدو من انتماء الديوان إلى السوريالية والدادائية في طريقةِ رسم الصورة، إلا أنه يخالفها في كونه لا ينتمي إلى الغموض، وإلى اعتبار الغموض سمةً من سماتِ الصورة[٥ ]، فالديوان يأتي على النقيض من ذلك، هو يعتمد على دهشة الصورة وغرائبيتها، لكنها ليست غامضةً، وليست عصيةً على التلقي، وهو ما يحقق مقولة أن «المشكلة دائماً في التلقي تتعلق بالمرسل وليس المستقبل، فعندما تكون الرؤية واضحة لدى المرسل، والصورة جلية فيما يريد أن يرسمه بكلماته، وفيما يرجوه من أثر في المتلقي من هذا الرسم، تأتي عملية التلقي سلسة وسهلة ويسيرة» [ ٦]، وهنا يتضحُ لنا جلياً أن الصورةَ واضحةٌ في ذهن راسمها، وكأنه قد رسمها في عقله مثل اللوحة التشكيلية المتكاملة، ثم ذهب يصوغها وينقلها من عالم الرسم والحلم، إلى عالم الكلمات والتعبير.

إذن تتكاملُ العنونة مع المعنى الضمني الداخلي لمجمل قصائد الديوان، وتعتمد القصائد في تحقيق فاعليتها على جماليات الصورة على نحو خاص، ومفتاح الشفرة هنا هو «الترابط»، وضِف إليه «التكامل»، فالصورة تنبني على نحو كلي، ليست صوراً متفرقةً تشكل معا صوراً كليةً كما اعتدنا مع الصورة المقطعية في الشعر الحديث والمعاصر، وإنما هناك صورةٌ كليةٌ كاملةٌ، نابعةٌ أساساً من فكرةٍ فلسفيةٍ، تتحدثُ عن قضايا فلسفية كبرى، وتكتسب ثقلها من كونها تعرض هذه القضايا الفلسفية الكبرى، في صياغةٍ بسيطةٍ سلِسة، يصعبُ معها الإتيانُ بصيغةٍ أسلسَ وأسهلَ من تلك، فمثلاً في قصيدة «العدميون»، يقول:

«فصِرنا عدميين/ بشكلٍ/ يتجاوزُ كلَ شكٍ/ ومضينا طواعيةً/ لأبعدَ من كلِ مسافةٍ/ وصرنا نحنُ دونَ غيرِنا/ القابعينَ/ بمفردِنا/ على قمةِ جبلِ الهواء/ والنائمينَ/ في تلابيبِ الطيف/ بلا أي وجودٍ يُذكَر/ ولأمدٍ بَعيد.» ص9

نجده هنا يسائل فكرة: هل لنا وجودٌ من عدمه؟ وإذا كان لنا وجود؛ هل هو على النحو الذي نريده؟ وهل لنا اختيار في أن نكون ما نريده؟ وهل يمكننا تغيير ما نحن عليه؟ قضايا فلسفيةٌ كبرى ليس من اليسير مناقشتها في القصيدة الشعرية، والأصعب من ذلك، الإتيان بها على نحو جماليٍ، يحقق متعةً جماليةً في القراءة، وفي البحث حول جوانب الصورة، وتكوينها المدهش/الغرائبي أحياناً، دون أن يفقد القارئ تواصُلَهُ مع الديوان، ودون أن يؤدي تفكيره في النواحي الفكرية والفلسفية إلى الانفصال عن التلقي الجمالي للديوان، وهناك عوامل عدة تساعد على ذلك، أو بالأحرى «أدوات عدة» يستخدمها الشاعر في رسم صورته، منها «التضمينُ الدلاليُ»، عبر استحضار مجموعة من القضايا التي لها بعدُها وثقلُها الفلسفيُ الاجتماعيُ، وتضمينها في ثنايا القصيدة، وتكييف الصورة مع هذه الرؤية، فلنعاين ذلك في قصيدة «دودة القز الأخيرة»، يقول: 

«وقفتُ في الشرفةِ/ ألوِّحُ لكُلِ شيء/ ولما لم أجِد رداً/ في المقابل/ أو ردةَ فِعلٍ ما / تُهدِّئُ من رَوْعي/ لم أتردَّدْ للحظةٍ/ في محوِ الغرفةِ/ بشرفتِها البائدةِ/ هكذا/ بقناعةٍ تامَّة/ من تلقاءِ نَفسي/ وبيديَّ القَويتين/ وأنفاسي اللاهبةِ/ لأمكثَ/ فيمَا بَعد/ لصقَ حطامٍ أصمَّ/ متكوراً/ حولَ نفسي/ وماضياً/ في سبيلي/ بكلِ ثِقةٍ/ وصرامةٍ/ لمضغِ آخرَ ما تبقّى/ في مجرةِ دربِ التبانةِ/ الشاسِعةِ/ من وريقاتِ التوت.» ص10-11

نلاحظُ أنَّنا عِندما حاولنا التدليل على الصورة، لم نستطع أن نُجزِّئها، أو أن نقتطع منهاً شيئاً يُمكنُ أن يُعبِّر عن طريقة تكوينها، بل وجدنا نفسنا نمضي في سلاسةٍ من أول الصورة المرسومة بدقة، حتى انتهاء القصيدة، فهنا نجد أن التعبير الدلالي، وتراكب المفردات والألفاظ معاً، يتماهى مع التعبير عن جوهر الرسالةِ المرادِ توصيلُها، وتصبح دهشة التصوير، والبحث عن التجاوب في ذهن المتلقي، الذي عليه أن يتخيل الصورة، معتمداً على الأفكارِ المُسبقةِ عن «دودة القز»، التي نجدها في العنوان، ولا نجدها في ثنايا القصيدة، بل نصنعُ ضمنياً، تراكباً فنياً بينَ الإنسان الذي نتخيله في المجمل كدودةٍ كبيرةٍ، أغلَقت على نفسِها شَرنَقتهَا، وصارت تأكل وتأكل دون أملٍ في أن تُحقِّقَ لنفسِها شيئاً، وفي انفتاحِ هذا الاتساع اللامتناهي من الكون، والذي نحيطُ به معرفةً كبني البشر، إلا أننا لا أمل أن تكون لنا قدرةٌ على تحقيقِ ما نريد، فلا شيءَ يُقدِّمُ لنا «الردَّ» المُناسِبَ، رغمَ كل هذا الاتساع في الكون، إلا أن شخصياتنا منسحقةٌ، تعيشُ مُعانَاتِها الخاصة، ونَهَمَها الخاص تجاهَ شيءٍ ما، لا يتحققُ ولا يجيء.

رغم غرابة المعنى وغرابة التشبيه، إلا أننا نلمس عذوبة ورقة، وحساً مرهفاً، نلمسُ القدرةَ على تذويب الفاصل بين الواقع والخيال، حتى أننا لا نعرف أيهما المطروح في القصائد، هل هو الخيال، أم الواقع الذي يبدو أغرب وأعجب من الخيال؟ وهل نحن أمام حالة من حالات الرسم بالكلمات، أم أمام حالة من حالات التفكير العميق في جوهر الحياة؟ ونجح الشاعر في تقديم هذا التفكير في شكل مبسط، شكل يصل للقارئ، ويستفز ما بداخله، ويجعله يتفاعل مع الرؤية المقدمة من قبل  الشاعر، حتى أن محمد مهدي حميدة يُقدِّمُ فكرةً تُحاكي وتناقش، - وربما تسخر- من فكرة الحياة بأكملها والكون ومعيشة البشر على سطح الكرة الأرضية، كل ذلك يتم على نحوٍ سلسٍ عذبٍ سَهل، رغمَ تعقيدِ تَخيُّلِ الصورة الكلية في النهاية إلا أن الرسالة تصلُ واضحةً بشِدَّة، يقولُ الشاعر: 

«أودُّ/  أن أحبسكُم جميعاً/ في بلورةٍ سحريةٍ/ وأستدعيكُم/ بلا تعاويذَ/ أو طلاسمَ/ لتحدِّثوني/ عن مُستَقبلِ الأرض/ ونهايةِ العالَم/ ثم/ ودونَ أن أعبَأَ/ بعويلِكم المكتوم/ سأغفو قليلاً/ قليلاً/ على سطحٍ مُتكورٍ/ تعتقدونَ/ من داخلِ مَحبَسكم/ أنهُ السَماء» ص36-37

ولولا احتراز الشاعر بمقولة «أود»، لتحمَّلَت القصيدةُ معانيَ أخرى، ولا شكَّ أن هذهِ الشعريةَ ليست من النوعِ الذي نصادفهُ كثيراً في تأليفِ القصائِد العربيةِ في الشعريةِ المعاصرة، بل هي نوعٌ خاص من التَداخُلِ بينَ المرئيّ والفَلسفيّ والدلاليّ، وهو ما يجعلُ الديوانَ يحتاجُ لحساسيةٍ خاصةٍ في التلقّي من قبلِ القارئ.


___________

المراجع:

  ١- محمد مهدي حميدة: قناص جبل الرماد، دائرة الثقافة والاعلام، الشارقة، 2015م 

  ٢- بسام موسى قطوس: سيمياء العنوان، وزارة الثقافة، عمان، الأردن، 2001م، ص33

  ٣- مراد عبد الرحمن مبروك: الأسطورة وسلطة النص في شعر حمزة شحاتة: قراءة أولى في آليات الاتصال الادبي، مجلة علامات، النادي الأدبي بجدة، جدة، 2006م، ص744-745

 ٤ - كمال خير بك: حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر، ط2، دار الفكر، بيروت، 1986م، ، ص148

 ٥ - راجع: سليمان خالد: ظاهرة الغموض في الشعر الحر، مجلة فصول، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، مجلد 7، عدد1، 1986م، ص 83.

 ٦ - راجع: عصام شرتح: ملفات حوارية في الحداثة الشعرية (حداثة السؤال أم سؤال الحداثة)، دار الأمل الجديدة، دمشق، 2012م، ص 366.

 

الجمعة، 16 ديسمبر 2016

قناص جبل الرماد.. عندما تحلق طيور المعنى بين اللوحة والقصيدة



"قناص جبل الرماد"...
عندما تحلق طيور المعنى بين اللوحة والقصيدة
إبراهيم الحجري- ناقد من المغرب
0. على سبيل التمهيد:
تتوزع اهتمامات الكاتب محمد مهدي[1] حميدة بين التشكيل والكتابة بنوعيها النثرية والشعرية، وهو إذ ينزع نحو التعدد، مطلقا العنان لخيول مواهبه كي تصهل على مهلها في شتى الضفاف، تظل المشهدية التصويرية سواء عبر اللغة أم بغيرها، نسغ التفكير الجمالي في هندسة المعاني. وإذ تكون المغامرة الشعرية جامعة بين حركية التّصوير اللغوي واستبطاناته المعجمية والمجازية وشطحه التعبيري الصاعد من العمق الجواني للذات، من جهة، ومفردات الرسم والتصوير التشكيليين التي تخاطب في المتلقي حواسّه ذات البعد البصري، فهي تكون ألذ وأشهى، ويتهيأ للمشهدية الشعرية أن تكون أشد غورا وعمقا. حيث يتأتى لكل قصيدة أن تجمع بين مفردات اللغة الشعرية وهيولاها، وزبدة التجربة التشكيلية والخبرة الجمالية التي عاشها ويعيشها الشاعر باعتباره فنانا تشكيليا وناقدا فنيا ومتتبعا للحراك التشكيلي العربي، وأحد نشطائه المميزين في مدينة (الشارقة) التحولات الفنية المسترسلة، والبيناليات المفتوحة على التجديد والعنفوان ورياح الجمال حيث هبّت.
 1. تشظي الذات بين الإحساس بالفقد وتراجيع صدى الذكريات:
تمثل النصوص الشعرية التي تجمعها دفتا المجموعة الشعرية "قناص جبل الرماد" صرخة الذات المكلومة بالوجع والمعاناة المبطنة نحو العالم، صرخة مدوية حينا، وخافتا حينا آخر، تبعا لتوتر الإيقاع الشعري الذي يرتفع تارة ويتراجع أخرى، مصورا حالة الذات الشاعرة التي تخفق بين أيدي المصائر المتلاطمة مثل عصفور وحيد أفزعته العواصف، وراحت تقوده صوب المتاه، صرخة لا يريد منها الشاعر أن تصل إلى الآخرين ليشاركوا الشاعر أحاسيسه ووجعه، بل ما يروم منها هو أن ترتد إلى جوانيته فتطهرها من مغص المشاعر السالبة التي تقض مضجعها، وتنزع منها لذة الشعور بسعادة قصيرة في الحياة، مجرد حلم بين قصيدة وأخرى، حياة مستقطعة بين حياتين. وكمثال على ذلك، أورد المقطع الشعري التالي:
"وضللنا
كافة الكائنات الحية
وكل الجمادات
بارتداء أقنعة ميتة
بلا ملامح
وتناسينا الحجم المعهود
للمادة
ومحونا كلّ إحساس
بالكتل الصماء
والحية
مستسلمين كلياً
للتلاشي
والذوبان
ضمن
ما لا يمكن تحديد
كنهه"[2].
إن ما يقوم به الراوي- في القصيدة- من خلال بث لواعجه، ونفث الصور المكثفة المسجورة بالمغص الثاقب الذي يطل سافرا بين المفردات الشعرية القاتمة، والأسطر الموحية الفياضة بالإحالات الدلالية، ينسحب تماما، على القناص الذي شاء له المصير الشعري أن يتخذ ركنا قصيا في "جبل الرماد" منتظرا أن ينعم عليه الحظ باللقطة المناسبة لاصطياد بريق أمل، يشبه حلما، تلتقي من خلاله، الذات مع عالمها المبجل، الذي يشكل المشهد الشعري بالمجموعة كلها، معبرا ممكنا في اتجاهه. تصير لحظات السعادة المنتظرة بين ومضة وومضة وإشراقة صبح وغروب شمس وقصيدة وقصيدة؛ هي طرائد القناص الخائب الذي دفعت به عواصف الواقع القاسي صوب جبل خربته نار نيرون، واستنزفت عيونه وأمواهه البراكين المتواصلة. وما ذاك الجبل الرمادي سوى كناية على العالم الممهور بالخيبات التي جناها الإنسان في عصر تدني القيم، وتراجع المكتسبات الأخلاقية أمام هيمنة الهمجية وسلطة المادة، وغلبة الرغبات الحيوانية، وتفاقم الإحساس بالجمال في كل شيء. لا يملك القناص الذي تبئره العنونة في المجموعة الشعرية، سلاحا ناريا، بل لا يتأبط سوى خيباته القاتمة، وحلمه الأخير بلحظة شروق، وسط محفل العتمة التي تغطى كل شيء، لا يملك إلا بريق لغته الشعرية الحالمة، وألوان فرشاته المهترئة، وهي تتوق إلى رسم معالم عالم جديد يعمّه نور الجمال، ويتغشاه الفكر الخلاق، وتسوده القيم الرفيعة.
2. هيمنة المعجم الفني؛ ارتهان التشكيلي إلى نسغ اللغة:
ليس من الصعب على متلق قصائد "قناص جبل الرماد" أن يلحظ هيمنة معجم فني، وسيادة حقل دلالي يحيل على قاموس الفنان التشكيلي، والناقد الجمالي المتذوق للطبيعة وسحرها، والمسلح بأدوات فكّ مغاليق الألواح والمشاهد والصور والأسناد البصرية، وكأن الشاعر كان يفكر في الصورة الشعرية باللون والإطار، والضوء والعتمة، والخطوط والنقط، والظل والأطياف، والمشهد واللقطة، والصورة الثابتة والمتحركة وغيرها من الثنائيات الغنية التي تنتمي إلى عالم الجماليات التشكيلية، ولم يكن يفكّر فيها بالمعجم والكلمة، والصورة والإيقاع، والعبارة والسطر، والكناية والمجاز، والاستعارة والتشبيه، والشعور والإحساس، وإن كانت كل هاته الأشياء موجودة بشكل من الأشكال ضمن المنجز الشكلي للقصائد، لكن الفعالية الاستراتيجية للتصوير الخلاق داخل البنية اللغوية، والإمدادات الدلالية التي تحفل بها التقاطيع والمشاهد كانت تعود للملمح الأول أكثر مما تعود للملمح الثاني. والحاصل أنّ الملمحين معا يتحالفان لإنتاج المعنى، وتشييد جمالية خاصة للقصيدة الشعرية كما يتصورها وتمثلها الشاعر- الفنان محمد مهدي حميدة.
ونورد، كمثال على ذلك، إحدى إشراقات الشاعر الشعرية، ناحتا مفرداته الخاصّة، التي تنهلُ من المعجمين الشعريّ والتشكيليّ، هنا، تحديدا، تتضامن كلّ المكونات الثقافية لدى الشاعر من أجل إنتاج معنى مختلف، وهنا أيضا تبرز المعرفة الثقافية الموسوعية للشاعر التي تجمع كافة أنواع الخطاب، ويتطلّب هذا من المتلقي التّسلح بأدوات شبيهة قادرة على فكّ شفرات هذا النوع من الخطاب الشعريّ المقتضب، المكثف، والعميق، ذاك الذي يعتمد التلميح والتلويح والإيحاء بدل التصريح والتفصيل:
"ألوانها الداكنة
بالمقابل
وكافة نقوشها حلزونية البناء
كاشفة
عن رسوم أقدم
لا تشبه أيّاً منا
لكنها قادرة
على التأثير
في دواخلنا
و إحداث أثر عميق
لا يذوب
من أرواحنا
أبداً
فصرنا نحن أنفسنا
ودون أن نعرف كيف؟"[3]
3. المفارقة الشعرية؛ سخرية من الذات والعالم:
يستعين الشاعر محمد حميدة بالمفارقات الشعرية، ويفتح لها ضمن مقوله الشعري مساحة متسعة، لأنها تخدم المغزى العامّ الذي يروم توصيله إلى المتلقي، فهناك حالة من التشتت الكياني التي ترتاد العامل الذات في المحكيّ الشعري، وهناك نفور مستشري يتسلل إلى الروح الباثة لواعجها نصيا، وهناك طرق متقاطعة من الشجن والألم تتمزق عبرها بوصلات الحياة. لذلك لم يتبق لذات ناكصة تعذبها مسالك التيه سوى التوسل باللغة في مدها وامتدادها، وفي مشرع قواميسها الحبلى بالمعاني المتضاربة والمتشاكلة والمتضادة والمتنافرة... ينتقي منها ما يعزز مشاعره، ويلوذ بظل مفرداتها الأكثر رحابة حتى يتجنب شواظ اللحظة، ويفلت بجلده من أوارها المستعر الذي لا يهادن ولا يفتر.
تمنح اللغة للشاعر متسعا كي يبحر في ملكوت أحاسيسه، ويعبر عنها بشتى الأساليب، وينحت لها مسالك جديدة من بنات خياله، وهندسة موهبته الفنية الذكية التي تجمع بين التصوير اللغوي والتصوير البصريّ، ويبتكر للمعاني شرفات أخرى من الدال ونقيضه، ومن المعنى واللا معنى، ومن المشير اللغوي ومجاوره الدلالي، ليعدو النص الشعري لديه، ليس تهكما من القيم المترهلة التي باتت تطغى في عالم اليوم، وتهندس تحولاته التي تسير ضدا على المثل الإنسانيّة، بل هو أيضا سخرية من اللغة ذاتها أو من شكل التعبير بصيغة أصح.
لقد ساهمت المقدرة التصويرية لدى الشاعر حميدة في دعم النسيج التوليدي والتوليفي للقصائد، فكانت، تأسيسا على ذلك، كل المقاطع الشعرية مشاهد ولحظات ولقطات وتشكيلات كاريكاتورية ساخرة تنتصب أمام المتلقي واضعة إياه، مع سبق الإصرار والترصّد، في سياق المشاركة في تشييد المعنى الشعريّ، ومقحمة إياه في صميم ترتيب فوضى الصور الشعرية والتشكيلية، وإعادة ترصيصها على إيقاع المغزى المرام تثبيته قرائيا وتداوليا، حتى تنسجم مع المتراكم النسقي لذاكرة المتقبل للنصوص.
ونلفي هذا النزوع مثلا، عبر هذا المقطع، حيث يترسخ البعد الكاريكاتوري في التصوير الشعري، إلى حد تصير الصورة مشمئزة، مثيرة للغثيان، وذاك على سبيل إثارة الحواس الأعمق في الكائن الإنساني، استدراجا لعواطفه التي تكلّست، وما عاد يفيد معها التعبير السلس المدغدغ، الرقيق... يقول الشاعر:
"قدمان عاريتان
تتدليان
في وداعةٍ
من سقفِ الحجرةِ
ورأ سٌ شطورٌ
ينامُ نصفُه
أسفل النافذةِ
وينامُ النصفُ الثاني
قريباً من سلةِ المهملات
وقلبٌ آخذٌ في التورم
فوق منضدة الزاوية"[4]
وتهدف السخرية المفارقة في هذه المجموعة أولا، إلى نقض العوالم المزيفة عن طريق التهكم منها، أو تصويرها تصويرا كاريكاتوريا بغاية نقدها أو تشريحها أو إثارة العالم الإنساني إلى بشاعة القيم المروجة ضمنها تحت ذرائع مادية شتى. وتحرص ثانيا على تحقيق نوع من العزاء للذات الباثة، بوصفها تعويضا تخييليا، وتطهيرا جوانيا، وامتلاء روحيا يعيد للأنا المشروخة توازنها المفقود.
يقول الشاعر ساخرا من الذات المتشظية، مصورا، بعمق درامي، قبح المتاهة الإنسانية التي تتدحرج فيها بفظاعة:   
"أضحكُ
بلا انقطاعٍ
حتى يضجر الموت
مني
فيُلقي بي
إلى شوارع بالية
وبيوت منزوية
بلا أبواب
أو حوائط..
فقط"[5]
على سبيل الختم:
إن الكتابة من خلال هذا الديوان الشعري، تسعى إلى استعادة التوازن الإنساني المهدور، شعريا وتشكيليا، عبر تواطؤ النص الشعري والصورة التركيبية للعمل الفني التصويري. وقد استفاد الشّاعر من تمكّنه من المجالين معا، واستثمر خبرته في مجال الجماليّات واحتكاكه المتواصل مع عالم اللّوحة، ومتابعته اللّصيقة لتطوّر المشهد التشكيليّ العربيّ في سبيل تشخيص حالة إنسانية لا تقتصر على وضع الذات المنتجة للخطاب، بل تسري، في عمق مشاعرها وأحاسيسها، على كافة البشر، وإن بصور مختلفات وإيقاعات متفاوتة.




[1] - حاصل على ماجستير تاريخ الفن، كلية الفنون الجميلة بالقاهرة 2008م. وقد عمل أستاذ تاريخ الفن في معهد الشارقة للفنون بداية من عام 2008. ومن إصدارته كتاب "الفن التشكيلي العربي وأبرز مبدعيه"، دار سعاد الصباح، الكويت، 2002م (وقد نال هذا الكتاب الجائزة الأولى للإبداع الفكري والأدبي من دار سعاد الصباح في العام 2001م).- كتاب "عمائر المنمنمات الإسلامية".. دراسة جمالية، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2010م.- المجموعة الشعرية (صناعة الأنقاض) دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2012م.- رواية (امرأة خضراء) دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2014م. وهو حائز على عدة جوائز عربية - جائزة الإبداع الفكري والأدبي- دار سعاد الصباح الكويت 2001م- جائزة ديوان شعر الفصحى- هيئة قصور الثقافة – مصر2002/ 2003م- جائزة القصة القصيرة – وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع الإمارات 2013م. انظر الموقع الالكتروني: http://www.elaph.com/Web/Culture/2014/4/892140.html#sthash.I8IQrwUu.dpuf
[2] - محمد مهدي حميدة، قناص جبل الرّماد، شعر، منشورات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 2015م، ص. 8.
[3]- المصدر نفسه، ص. 14.
[4] - المصدر نفسه، ص، 38.
[5] - المصدر نفسه، ص. 45.

http://www.arrafid.ae/Raffid1232.pdf

الثلاثاء، 14 يونيو 2016

محمد مهدي حميدة .. روحانية صاعدة من رحم الغربة


ميدل ايست أونلاين
بقلم: عبدالسلام فاروق
ستنفد كل السنين فجأة
بأنامل روحانية هادئة لا تنطفئ جذوتها المتقدة، يكتب محمد مهدي حميدة الشعر والرواية والنقد متكئا على دراسة أكاديمية وبصيرة تشكيلية نافذة، ورؤية جمالية وفلسفية تستشرف جوهر الإنسان والطبيعة والبحر والنهر والأرض، وتتوق إلى الإمساك بخيوطها المتناغمة أو المتناقضة، لكن الكتابة الشعرية بجمالها وسحرها الآخاذ المتدفق بالموسيقي والألحان، تسرق كامل طاقته الإبداعية، فلا تترك سوى حيزا صغيرا تتسرب منه خلسة جداول الألوان التشكيلية والروائية الكامنة.
تعود علاقتي بالشاعر محمد مهدي حميدة إلي ما يقرب من الثلاثين عاما، فقد ألتقيته في نادي أدب سمالوط موطننا بمحافظة المنيا، عندما مر علينا آنذاك، وكان يمسك كراسة ملونة، ومنذ تلك اللحظة رأيت فيه شابا مندهشا وحالما وصاعدا كقامته المديدة نحو الكتابة، وبصوت خفيض يتلو أبياته الشعرية، أصيخ السمع وأنصت لما يتلوه، رويدا رويدا تزداد نبرة صوته رسوخا، وتتضح المعاني والدلالات، وتتشكل الصور والاستعارات والتشكيلات البديعة التي تطرب الآذان العربية، قصائد شعرية ممزوجة بموسيقي طازجة وندية لم أجربها من قبل، لا هنا ولا هناك، لا عند محمود درويش ولا محمد الماغوط، أو حتي أدونيس الذي كنا نقرأ أعماله من باب الوجاهة والتنطع والانتماء لحداثة ناقصة ومفتعلة.
أتذكر أنني أمسكت برهة صغيرة عن الكلام، ثم اندفعت قائلا: هيا يا صديقي .. أقرأ لنا قصيدة أخرى، من فضلك لا تتوقف، إنك شاعر أصيل، ولست نسخة مقلدة أو مشوهة، فقد كان شعراء ذلك الزمان "نهاية ثمانينيات القرن العشرين" يكتبون كلاما لا هو بالترجمة، وبالطبع لم يكن شعرا بالمرة، فالشعر الذي ينتمي إلى إبداعنا العربي الأصيل، كان ولا يزال هو شعر "المتنبي وشوقي والبياتي وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل"، فلا نحن استطعنا أن نحبه أو نتفهمه، لأنه بصريح العبارة كان مجرد كتابة ملغزة وغامضة تصد النفس عن القراءة، وكأنها دواء فاسد يؤذي أكثر مما يفيد.
في ذلك الوقت البعيد، كنت أشهد ولادة موهبة أدبية واضحة، تخطو خطواتها الأولى في الكتابة بنعومة وإصرار، مضت بنا الأيام وراح كل في سبيله، وتباعدت اللقاءات من سنة لأخرى، ثم انقطعت أخباره عني تماما، لا حس ولا خبر كما يقول المصريون.
بالطبع لم أنسه، فقد كان محمد مهدي نموذجا فريدا في أدبه وتواضعه وجموحه، حتى التقيته مصادفة خلال عيد الأضحي المبارك من العام الماضي 2015، ودار بيننا حديث تلغرافي قصير، أخبرني أنه يعمل في دولة الإمارات العربية، وقد صدرت له عدة كتب هي: "الفن التشكيلي العربي وأبرز مبدعيه"، دار سعاد الصباح، الكويت 2002 (وقد نال هذا الكتاب الجائزة الأولى للإبداع الفكري والأدبي من دار سعاد الصباح في العام 2001) وكتاب "عمائر المنمنمات الإسلامية .. دراسة جمالية" عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، 2010، المجموعة الشعرية "صناعة الأنقاض" ورواية "امرأة خضراء"، سوف يرسلهم لي عقب رجوعه إلى الشارقة.
وبالفعل تلقيت هذه الإصدارات خلال رحلة سريعة إلى الشارقة، وذات مساء من لياليها الهادئة، أخذت أتصفح نصوص محمد مهدي حميدة بمتعة عقلية وجمالية بصرية تمتح تشكيلاتها الفنية من شاعرية مرهفة العواطف مرهفة الأحاسيس، تتجسد في ذاته انعكاسات ما حوله، فلا يفصح عما في دواخله إلاّ عندما تبوح القصيدة بسرِّه. لذلك فحتى سنوات العمر وهو يبصرها تمر لا تعرف ما يخبئ لنا المجهول من آلام وأحلام ورغبات مؤجلة وسط موجات متلاحقة من صناعة الأضداد والأنقاض.
لذلك يصرخ بهدوء (عليك – وأنت تتحرر حتى من نفسك / أن تنسي دوما / كل ما حدث في الماضي / وأن تمشي مسلحا برائحة المجهول).
وتابع في قصيدة "العمر" من ديوان "صناعة الأنقاض": (ستنفد كل السنين فجأة / وتهجر أقراص المسكن / رغباتك المؤجلة / قبل أن تدرك / ولو لمرة واحدة / أن العمر مجرد ورشة لصناعة الأنقاض) ورغم ذاتية الصوت إلا أن القصيدة ترمز لبعد إنساني عام، يمزج بين الذاتي والموضوعي.
والذي يتابع أعماله يدرك أن الغربة التي تراوده هي من نوع غربة المبدعين والمتصوفة الذين ينسحبون من دوامة اليومي والسائد في حياة الناس من أجل خلق الفضاء التأملي الذي لا بد منه للتجلي والسمو في عالم الإبداع، ولا غرابة فقد بدأ منذ نشر قصائده الأولى في منتصف تسعينيات القرن العشرين في تأملات تدرجت في رموزها بإيحاءات فلسفية تربط الخاص بالعام بأهم القضايا التي تؤرق الإنسان ففي قصيدة "صناعة الأنقاض" يقول:
عندما تصير الروح
مقبرة وسيعة
تمتلئ بقبور كثيرة
لموتى أعزاء
سأبني حولها سورا ضخما بلا أبواب
وأقفز إلي الداخل
كل ليلة
حينما يبدأ قلبي في الوميض
لأرى من من الهياكل
سيركض سعيدا
لملاقتي قبل الآخرين
علي هذا النحو أعتقد أن كتابة الشعر عنده ستظل لحنا ناقصا وأملا متجددا بل وصراعا مستمرا على الدوام بين الذات والعالم، يسمو نحو صياغة أكثر إنسانية للحياة، منه نتعلم ضرورة الإخلاص، وعبر موسيقاه نتلمس جواهر النفس البشرية الصافية، وهي تتلظى بالأشواق في محاربة أمواج الغربة والتوحش والبربرية والطغيان.
وإجمالا فإن الشاعر محمد مهدي حميدة يكتب إبداعا ناعما، فهو البلسم الهادئ على ذاكرة الوطن والروح والجسد. ينسج قصائد تجريدية أو تجريبية "لا فرق". يرفض ثقافة التخلف وصناعة التناقض. يحاسب الماضى ويعاقبه. لم يتخل أبداً عن قراره بامتلاك أقصى درجات الحرية، إنه الحالة الاستثناء، التي تفتح مسارات الدهشة والميلاد والجمال، لتأتي أعماله ممتلكة لوعيها الثائر وقانونها الخاص.
بشكل عام وبشكل خاص، قصائد محمد مهدي حميدة ومضات ضوء ساحر تمنح القارىء وعياً وفكراً واندفاعات. وإذا كان حضوره الثقافي الآن هو روح الفنان وعشق الإنسان، فإن المستقبل سيسجل أنه من المبدعين الذين غيروا مسارات الإبداع.

http://www.middle-east-online.com/?id=225375

الأحد، 1 مايو 2016

قناص جبل الرماد محمد مهدي حميدة

رؤية نقدية
قناص جبل الرماد محمد مهدي حميدة

أحمد محمد جلبي
روائي ـ عضو نادي القصة المصري
صحيفة الأهرام المسائي- 1 مايو 2016



امتلأ الميدان الآن‏,‏ تجارب الرواد أعطت دفعة لوجيستيه في كثير من المعاني والمضامين والخيالات‏,‏ خطت علي الجدران وفوق الأسطح العالية للعربية نوافذ والرواد جاءوا من كل الأرجاء من مصر دنقل وعبد الصبور وحجازي‏,‏ ومن العراق نازك الملائكة والسياب والبياتي‏.
هؤلاء الأهم في المسيرة الشعرية للقصيدة التفعيلية المتحررة من القيود الخليلية الصارمة في تساوي عدد تفعيلات البيت ونظام القافية لصالح بناء لغوي داخلي للقصيدة, استطاع مع الوقت والتجارب الناجحة أن يوجد التوازن بين القيد الذي ترك لصالح التجديد والقيد الذي فرضه الشعراء علي شكلهم الجديد ليخلف ويوازن ويحكم التوتر الوتري الدقيق والهدوء الإيقاعي للجملة والمفردة الشعرية, وبذلك تستمر المفردة الشعرية ووحداتها التي تشكل القصيدة أغنية بالإيقاع الموسيقي للمفردة اللغوية العربية قادرة علي عمل شيئين مهمين في الشعر ألا وهو سهولة الاستظهار والتغلغل في الشعور يجرنا هذا إلي الحديث عن ديوان( قناص جبل الرماد لـ محمد مهدي حميدة الصادر عن دائرة الإعلام والثقافة بالشارقة) الديوان ليس الأول للشاعر القناص لكنه مع ذلك بذل الكثير من الجهد للإفلات من دائرة التشابه التي وقع فيها غيره من شعراء الحر, والعناية هنا يلزمها الكثير من الثقافة الواسعة والحاسة النقدية اليقظة التي تجعل الطيران ممكنا والسباحة حتي نقطة الفوز, وتحقيق الهدف, يبدأ الديوان بقصيدة عدميون( فاجتهدنا في محو أشكالنا من عيون الناس وضللنا جميع الكائنات وكل الجمادات, بارتداء أقنعة ميتة بلا ملامح..) قائلا المعني باللفظ الصريح الفصsيح مع غرابة الموضوع محاولا إظهار الحقيقة الباطنية واستيفاءها علي قدر غرض القصيدة, يتضح ذلك أكثر قليلا في قصيدة( دودة القز الأخيرة.. ثم أعين ماكرة) والشاعر العظيم هو من يشعر بجوهر الأشياء لها يعدد أو يصوب أو يحدد ماذا يكون شكله وكنهه بل يصل إلي لب الحياة والحقائق خارقا جدار الشعور لديك( وتأملنا حينذاك بأعين ماكرة, تصحبها إيماءات تهكمية, مجموعات غريبة منقوشة علي جدار غير مرئي تقريبا..) علي الرغم من ظاهرة التصويرات ذات المنحي الثقافي الأوروبي التي تغذي جو القصائد(.. لمتأملين آخرين, ظنوا أنهم هم أنفسهم ـ ودون الجميع ـ أول من يقف علي هذه الرقعة الشاسعة الأبدية أمام نفس الجدار) إلا أن رومانتيكية الفلسفة تغطي علي هذا المزج لتتخطي به الذائقة الشعرية الأبعد لصالح وفائدة الشعر العربي في علاقة شاعرية مميزة لا تقصي الرمز الكلاسيكي التقليدي, وتحتفظ بالتيار الحداثي ونزعته( أحد العشاق المنسيين من داخل كهفه الذي سيطمر لاحقا, ويفشل الأركيولوجيون بعد آلاف السنوات في الوقوف علي كينونته الكاملة, وإدراك الحقائق الأكيدة عن جدوي وجوده..). في مصر التي ينتمي إليها الشاعر محمد مهدي حميدة اتسعت خريطة الاتجاهات الشعرية وتجاوزت المذاقات المختلفة حتي أن الشاعرية اللغوية العربية تطورت لمدي ومجالات أرحب وأوسع مما كان يمكن أن يفعلها الشعراء في مكان آخر, مجالات مثل الطبيعة الشاعرية, خصائص اللفظ والصياغة ومادة الشعر ذاتها والموسيقي الداخلية أوالخارجية للوزن واختيارات العبارة والكلام والمعني الموفي الشافي الكامل, مدارس تجاوزت وتجاوزت فكرة القديم والجديد بأنصارهما ومشاهيرهما وتداخل ذلك كله حتي صنع النسيج ونسخ القديم والأقدم والأبعد وقابل بين أمم وثقافات وتجارب حول العالم, هذا مجهود يتجاوز كل ما فعله اللاتين واليونان في تراثهم الشعري الحداثي, والفرق كبير بين محاولة استعارة ثوب وحياكته(.. سيمكن العثور علي بعض منك, أو قل أن شئت, سيمكن العثور عليك, وحيدا فوق أكوام هائلة من عظام بشرية وبقايا طيور ملونة قتيلة وذكريات فرت بأعجوبة) هناك دائما أغوار عميقة في النفس البشرية وأسرار, مواضع من المثيرات للشجون والآلام والإيحاءات, لم تطأها بعد قدم شاعر عربي أو عجمي ومن منطوق النص الأدبي يذهب ديوان( قناص) نحو ذلك العمق كما لو كان يغوص في باطن الأرض أو في الرماد( من بلاد منطقة وافلة إلي حد ما, ومنزوية إلي خسائرها الجمة, هناك حيث يقبع دوما قناص ماكر, فوق جبل شاهق من الرماد) ليس الشعر فرعا من فروع بطريقة التلقين أو النظم أو التمرس, لأنها في البداية تؤخذ من مادة سامية راقية, وكل ما في الحياة يسمو بمقدار ما فيه من الشاعرية, ولذلك يحسن الشاعر معاني مطلقة في حد ذاتها, الخوف الحب, الكراهية الإرادة, الحقد, الرحمة, الجنون, بقدر ما يوجد من شعر في كل معني من هذه الأشياء بقدر ما يسمو ويعلو ويتعاظم( بلورة: أود أن أحبسكم جميعا في بلورة سحرية وأستدعيكم بلا تعاويذ أو طلاسم لتحدثوني عن مستقبل الأرض ونهاية العالم, ثم دون أن أعبأ بعويلكم المكتوم, سأغفو قليلا, قليلا علي سطح متكور, تعتقدون من داخل محبسكم أنه السماء صـــ37). الشاعر اقترب بشدة من نفوس المتلقين, أولئك الذين تحيرهم الألغاز والتساؤلات, ولديهم بشدة ظمأ ثقافي وتجاوب نحو أحداث كثيرة في العالم من حولهم, ومظاهر ذلك واضحة... علي الأقل بالنسبة لنفس الشاعر ومصاحبة لحالة التجلي والاقتراب التي تجسدها رؤيته ما حوله( سيناريوهات وشيكة, خريطة) نحن المنتشرون علي جانبي مضمار سباق غير مرئي..؟!
ومن المنطقي أن تظهر نزعة سريالية في هذا العمل وتكون قائدة نحو منهج يمزج بين( إيقاعات وقوانين كونية وطقوس في اللفظ الحداثي للمدينة ومدينة العولمات) ويداعب هذا اللاوعي هادفا إلي أن تتعرف علي ما في النفوس وتكشفها وتتحدي قوي أكبر من كل قدراتنا في الواقع والحقيقة مثل كونية الموت والحياة وثنائياتها, وليس بهدف هزيمتهم في الواقع أو الخيال, بل لأن تحديهما له لذة غير عادية تصنع عذوبة عرية خطيرة وتجذب كقرص الشمس المضيء النغمة الشاردة لشعر السطر فيتوهج للحظات ثم يذوب في الملكوت, إلي هنا انتهي الإبحار والصعود لجبل الرماد ولنا عود؟!.

http://massai.ahram.org.eg/NewsQ/10450/184651.aspx