الجمعة، 16 ديسمبر 2016

قناص جبل الرماد.. عندما تحلق طيور المعنى بين اللوحة والقصيدة



"قناص جبل الرماد"...
عندما تحلق طيور المعنى بين اللوحة والقصيدة
إبراهيم الحجري- ناقد من المغرب
0. على سبيل التمهيد:
تتوزع اهتمامات الكاتب محمد مهدي[1] حميدة بين التشكيل والكتابة بنوعيها النثرية والشعرية، وهو إذ ينزع نحو التعدد، مطلقا العنان لخيول مواهبه كي تصهل على مهلها في شتى الضفاف، تظل المشهدية التصويرية سواء عبر اللغة أم بغيرها، نسغ التفكير الجمالي في هندسة المعاني. وإذ تكون المغامرة الشعرية جامعة بين حركية التّصوير اللغوي واستبطاناته المعجمية والمجازية وشطحه التعبيري الصاعد من العمق الجواني للذات، من جهة، ومفردات الرسم والتصوير التشكيليين التي تخاطب في المتلقي حواسّه ذات البعد البصري، فهي تكون ألذ وأشهى، ويتهيأ للمشهدية الشعرية أن تكون أشد غورا وعمقا. حيث يتأتى لكل قصيدة أن تجمع بين مفردات اللغة الشعرية وهيولاها، وزبدة التجربة التشكيلية والخبرة الجمالية التي عاشها ويعيشها الشاعر باعتباره فنانا تشكيليا وناقدا فنيا ومتتبعا للحراك التشكيلي العربي، وأحد نشطائه المميزين في مدينة (الشارقة) التحولات الفنية المسترسلة، والبيناليات المفتوحة على التجديد والعنفوان ورياح الجمال حيث هبّت.
 1. تشظي الذات بين الإحساس بالفقد وتراجيع صدى الذكريات:
تمثل النصوص الشعرية التي تجمعها دفتا المجموعة الشعرية "قناص جبل الرماد" صرخة الذات المكلومة بالوجع والمعاناة المبطنة نحو العالم، صرخة مدوية حينا، وخافتا حينا آخر، تبعا لتوتر الإيقاع الشعري الذي يرتفع تارة ويتراجع أخرى، مصورا حالة الذات الشاعرة التي تخفق بين أيدي المصائر المتلاطمة مثل عصفور وحيد أفزعته العواصف، وراحت تقوده صوب المتاه، صرخة لا يريد منها الشاعر أن تصل إلى الآخرين ليشاركوا الشاعر أحاسيسه ووجعه، بل ما يروم منها هو أن ترتد إلى جوانيته فتطهرها من مغص المشاعر السالبة التي تقض مضجعها، وتنزع منها لذة الشعور بسعادة قصيرة في الحياة، مجرد حلم بين قصيدة وأخرى، حياة مستقطعة بين حياتين. وكمثال على ذلك، أورد المقطع الشعري التالي:
"وضللنا
كافة الكائنات الحية
وكل الجمادات
بارتداء أقنعة ميتة
بلا ملامح
وتناسينا الحجم المعهود
للمادة
ومحونا كلّ إحساس
بالكتل الصماء
والحية
مستسلمين كلياً
للتلاشي
والذوبان
ضمن
ما لا يمكن تحديد
كنهه"[2].
إن ما يقوم به الراوي- في القصيدة- من خلال بث لواعجه، ونفث الصور المكثفة المسجورة بالمغص الثاقب الذي يطل سافرا بين المفردات الشعرية القاتمة، والأسطر الموحية الفياضة بالإحالات الدلالية، ينسحب تماما، على القناص الذي شاء له المصير الشعري أن يتخذ ركنا قصيا في "جبل الرماد" منتظرا أن ينعم عليه الحظ باللقطة المناسبة لاصطياد بريق أمل، يشبه حلما، تلتقي من خلاله، الذات مع عالمها المبجل، الذي يشكل المشهد الشعري بالمجموعة كلها، معبرا ممكنا في اتجاهه. تصير لحظات السعادة المنتظرة بين ومضة وومضة وإشراقة صبح وغروب شمس وقصيدة وقصيدة؛ هي طرائد القناص الخائب الذي دفعت به عواصف الواقع القاسي صوب جبل خربته نار نيرون، واستنزفت عيونه وأمواهه البراكين المتواصلة. وما ذاك الجبل الرمادي سوى كناية على العالم الممهور بالخيبات التي جناها الإنسان في عصر تدني القيم، وتراجع المكتسبات الأخلاقية أمام هيمنة الهمجية وسلطة المادة، وغلبة الرغبات الحيوانية، وتفاقم الإحساس بالجمال في كل شيء. لا يملك القناص الذي تبئره العنونة في المجموعة الشعرية، سلاحا ناريا، بل لا يتأبط سوى خيباته القاتمة، وحلمه الأخير بلحظة شروق، وسط محفل العتمة التي تغطى كل شيء، لا يملك إلا بريق لغته الشعرية الحالمة، وألوان فرشاته المهترئة، وهي تتوق إلى رسم معالم عالم جديد يعمّه نور الجمال، ويتغشاه الفكر الخلاق، وتسوده القيم الرفيعة.
2. هيمنة المعجم الفني؛ ارتهان التشكيلي إلى نسغ اللغة:
ليس من الصعب على متلق قصائد "قناص جبل الرماد" أن يلحظ هيمنة معجم فني، وسيادة حقل دلالي يحيل على قاموس الفنان التشكيلي، والناقد الجمالي المتذوق للطبيعة وسحرها، والمسلح بأدوات فكّ مغاليق الألواح والمشاهد والصور والأسناد البصرية، وكأن الشاعر كان يفكر في الصورة الشعرية باللون والإطار، والضوء والعتمة، والخطوط والنقط، والظل والأطياف، والمشهد واللقطة، والصورة الثابتة والمتحركة وغيرها من الثنائيات الغنية التي تنتمي إلى عالم الجماليات التشكيلية، ولم يكن يفكّر فيها بالمعجم والكلمة، والصورة والإيقاع، والعبارة والسطر، والكناية والمجاز، والاستعارة والتشبيه، والشعور والإحساس، وإن كانت كل هاته الأشياء موجودة بشكل من الأشكال ضمن المنجز الشكلي للقصائد، لكن الفعالية الاستراتيجية للتصوير الخلاق داخل البنية اللغوية، والإمدادات الدلالية التي تحفل بها التقاطيع والمشاهد كانت تعود للملمح الأول أكثر مما تعود للملمح الثاني. والحاصل أنّ الملمحين معا يتحالفان لإنتاج المعنى، وتشييد جمالية خاصة للقصيدة الشعرية كما يتصورها وتمثلها الشاعر- الفنان محمد مهدي حميدة.
ونورد، كمثال على ذلك، إحدى إشراقات الشاعر الشعرية، ناحتا مفرداته الخاصّة، التي تنهلُ من المعجمين الشعريّ والتشكيليّ، هنا، تحديدا، تتضامن كلّ المكونات الثقافية لدى الشاعر من أجل إنتاج معنى مختلف، وهنا أيضا تبرز المعرفة الثقافية الموسوعية للشاعر التي تجمع كافة أنواع الخطاب، ويتطلّب هذا من المتلقي التّسلح بأدوات شبيهة قادرة على فكّ شفرات هذا النوع من الخطاب الشعريّ المقتضب، المكثف، والعميق، ذاك الذي يعتمد التلميح والتلويح والإيحاء بدل التصريح والتفصيل:
"ألوانها الداكنة
بالمقابل
وكافة نقوشها حلزونية البناء
كاشفة
عن رسوم أقدم
لا تشبه أيّاً منا
لكنها قادرة
على التأثير
في دواخلنا
و إحداث أثر عميق
لا يذوب
من أرواحنا
أبداً
فصرنا نحن أنفسنا
ودون أن نعرف كيف؟"[3]
3. المفارقة الشعرية؛ سخرية من الذات والعالم:
يستعين الشاعر محمد حميدة بالمفارقات الشعرية، ويفتح لها ضمن مقوله الشعري مساحة متسعة، لأنها تخدم المغزى العامّ الذي يروم توصيله إلى المتلقي، فهناك حالة من التشتت الكياني التي ترتاد العامل الذات في المحكيّ الشعري، وهناك نفور مستشري يتسلل إلى الروح الباثة لواعجها نصيا، وهناك طرق متقاطعة من الشجن والألم تتمزق عبرها بوصلات الحياة. لذلك لم يتبق لذات ناكصة تعذبها مسالك التيه سوى التوسل باللغة في مدها وامتدادها، وفي مشرع قواميسها الحبلى بالمعاني المتضاربة والمتشاكلة والمتضادة والمتنافرة... ينتقي منها ما يعزز مشاعره، ويلوذ بظل مفرداتها الأكثر رحابة حتى يتجنب شواظ اللحظة، ويفلت بجلده من أوارها المستعر الذي لا يهادن ولا يفتر.
تمنح اللغة للشاعر متسعا كي يبحر في ملكوت أحاسيسه، ويعبر عنها بشتى الأساليب، وينحت لها مسالك جديدة من بنات خياله، وهندسة موهبته الفنية الذكية التي تجمع بين التصوير اللغوي والتصوير البصريّ، ويبتكر للمعاني شرفات أخرى من الدال ونقيضه، ومن المعنى واللا معنى، ومن المشير اللغوي ومجاوره الدلالي، ليعدو النص الشعري لديه، ليس تهكما من القيم المترهلة التي باتت تطغى في عالم اليوم، وتهندس تحولاته التي تسير ضدا على المثل الإنسانيّة، بل هو أيضا سخرية من اللغة ذاتها أو من شكل التعبير بصيغة أصح.
لقد ساهمت المقدرة التصويرية لدى الشاعر حميدة في دعم النسيج التوليدي والتوليفي للقصائد، فكانت، تأسيسا على ذلك، كل المقاطع الشعرية مشاهد ولحظات ولقطات وتشكيلات كاريكاتورية ساخرة تنتصب أمام المتلقي واضعة إياه، مع سبق الإصرار والترصّد، في سياق المشاركة في تشييد المعنى الشعريّ، ومقحمة إياه في صميم ترتيب فوضى الصور الشعرية والتشكيلية، وإعادة ترصيصها على إيقاع المغزى المرام تثبيته قرائيا وتداوليا، حتى تنسجم مع المتراكم النسقي لذاكرة المتقبل للنصوص.
ونلفي هذا النزوع مثلا، عبر هذا المقطع، حيث يترسخ البعد الكاريكاتوري في التصوير الشعري، إلى حد تصير الصورة مشمئزة، مثيرة للغثيان، وذاك على سبيل إثارة الحواس الأعمق في الكائن الإنساني، استدراجا لعواطفه التي تكلّست، وما عاد يفيد معها التعبير السلس المدغدغ، الرقيق... يقول الشاعر:
"قدمان عاريتان
تتدليان
في وداعةٍ
من سقفِ الحجرةِ
ورأ سٌ شطورٌ
ينامُ نصفُه
أسفل النافذةِ
وينامُ النصفُ الثاني
قريباً من سلةِ المهملات
وقلبٌ آخذٌ في التورم
فوق منضدة الزاوية"[4]
وتهدف السخرية المفارقة في هذه المجموعة أولا، إلى نقض العوالم المزيفة عن طريق التهكم منها، أو تصويرها تصويرا كاريكاتوريا بغاية نقدها أو تشريحها أو إثارة العالم الإنساني إلى بشاعة القيم المروجة ضمنها تحت ذرائع مادية شتى. وتحرص ثانيا على تحقيق نوع من العزاء للذات الباثة، بوصفها تعويضا تخييليا، وتطهيرا جوانيا، وامتلاء روحيا يعيد للأنا المشروخة توازنها المفقود.
يقول الشاعر ساخرا من الذات المتشظية، مصورا، بعمق درامي، قبح المتاهة الإنسانية التي تتدحرج فيها بفظاعة:   
"أضحكُ
بلا انقطاعٍ
حتى يضجر الموت
مني
فيُلقي بي
إلى شوارع بالية
وبيوت منزوية
بلا أبواب
أو حوائط..
فقط"[5]
على سبيل الختم:
إن الكتابة من خلال هذا الديوان الشعري، تسعى إلى استعادة التوازن الإنساني المهدور، شعريا وتشكيليا، عبر تواطؤ النص الشعري والصورة التركيبية للعمل الفني التصويري. وقد استفاد الشّاعر من تمكّنه من المجالين معا، واستثمر خبرته في مجال الجماليّات واحتكاكه المتواصل مع عالم اللّوحة، ومتابعته اللّصيقة لتطوّر المشهد التشكيليّ العربيّ في سبيل تشخيص حالة إنسانية لا تقتصر على وضع الذات المنتجة للخطاب، بل تسري، في عمق مشاعرها وأحاسيسها، على كافة البشر، وإن بصور مختلفات وإيقاعات متفاوتة.




[1] - حاصل على ماجستير تاريخ الفن، كلية الفنون الجميلة بالقاهرة 2008م. وقد عمل أستاذ تاريخ الفن في معهد الشارقة للفنون بداية من عام 2008. ومن إصدارته كتاب "الفن التشكيلي العربي وأبرز مبدعيه"، دار سعاد الصباح، الكويت، 2002م (وقد نال هذا الكتاب الجائزة الأولى للإبداع الفكري والأدبي من دار سعاد الصباح في العام 2001م).- كتاب "عمائر المنمنمات الإسلامية".. دراسة جمالية، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2010م.- المجموعة الشعرية (صناعة الأنقاض) دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2012م.- رواية (امرأة خضراء) دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2014م. وهو حائز على عدة جوائز عربية - جائزة الإبداع الفكري والأدبي- دار سعاد الصباح الكويت 2001م- جائزة ديوان شعر الفصحى- هيئة قصور الثقافة – مصر2002/ 2003م- جائزة القصة القصيرة – وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع الإمارات 2013م. انظر الموقع الالكتروني: http://www.elaph.com/Web/Culture/2014/4/892140.html#sthash.I8IQrwUu.dpuf
[2] - محمد مهدي حميدة، قناص جبل الرّماد، شعر، منشورات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 2015م، ص. 8.
[3]- المصدر نفسه، ص. 14.
[4] - المصدر نفسه، ص، 38.
[5] - المصدر نفسه، ص. 45.

http://www.arrafid.ae/Raffid1232.pdf