الجمعة، 1 يناير 2016

صناعة الأنقاض .. بين ملحمية الرؤية ومعمارية البنية

صناعة الأنقاض .. بين ملحمية الرؤية ومعمارية البنية

حمزة قناوي
مجلة رؤى – بنغازي – العدد العاشر – مايو/يونيو 2014

في عمله الشعري (صناعة الأنقاض) يدهشنا محمد مهدي حميدة، برؤيته الفنية دقيقة الالتقاط، وحاسته المرهفة التي تتعامل مع تفاصيل ومفردات الأشياء وتكاد تحيلها إلى عناصرها الأولى، كاشفةً عن البنى الخفية التي تربطها في سياقات إبداعية مغايرة للواقع، وهو ما يُنتِج الشعرية. المُغايرة والانزياح هما أساس الشعرية. وهو الخط الفني الرئيس المُشكِّل لرؤية المبدع في هذا الديوان.
من عتبة النص- عنوان العمل- نطالعُ انزياحاً "افتتاحياً" محيِّراً، يصلُ إلى حدِّ التناقض، وذلك بعنونة العمل بـــــــ (صناعة الأنقاض)، فـــ (الصناعة) مُعجَميَّاً تعني الإنشاء والبناء والحرفة ومهارة الابتكار، وهو ما يُعاكِس مفهوم (الأنقاض)، بما يوحي به من تهدُّم وانهيار غير مُنظَّم. من هذا التعاكس تولَد الرؤية. والرؤية- كما هو معروف- هي عماد النص الشعري و"معماره"؛ وفي حالة الديوان الذي بين يدينا، فإن المعمار الفني لم يقتصر على الرؤية فقط وانبعاثه منها، إنما اعتُمِدَ أساساً لبناء الديوان، في بنيةٍ محكمةٍ أطَّرها الشاعر بتوزُّعها على ثلاث مجموعات داخلية (تقسيمات) لقصائد الديوان، وجعل كلَّاً منها تحتوي عدداً من القصائد، وهذه المجموعات الثلاث هي (أستبدِلُ قلبي بجناحين يرفرفان)، (أُلوِّحُ لجسدي وهو يتدلَّى)، (أمضي إلى الضفةِ الأخرى). وحتى في هذا التأطير نلاحظ أن الشاعر لجأَ إلى إحكام التوزيع بصورةٍ دقيقة، حين جعلَ قصائد المجموعة الأولى نصف الثانية، وعدد قصائد الثانية نصف الثالثة (5 و11 و22 قصيدة على التوالي)! فهل المصادفة وحدها هي التي جعلت "بنائية معمار" المجموعة على هذا النحو من التوزيع المنهجي الصارم؟
وفق المنهج الإحصائي للنقد فإن العناصر المُجمَّعَة في حقول تصنيفية محددة لا بد أن تكون لها وظيفة دلالية، ولدى أي مبدع لا يتم هذا التوزيع اعتباطياً، إنما يكون دالاً على رؤية المبدع والرسالة الإبداعية التي يود إيصالها، وهذا ما سنكتشفه عند التناول الموضوعي- الثيماتي لقصائد الديوان في أقسامها الثلاثة.

فنية النص بين تراسل الحواس والتقاء الأجناس
محمد مهدي حميدة فنان تشكيلي، يبدو هذا جلياً في النصوص التي بين أيدينا، والتي يلتقي فيها التشكيل البصري والبناء الهندسي بمفردات كل منهما، من ألوان وإضاءة وزوايا التقاط للمشهد وتمازج وتصوير وتسجيل وسيمترية، عبر الأداة التعبيرية الأبرز: الكتابة.
التقاء هذه الأجناس النوعية في بناء فني واحد يثري العمل ويخلقُ تكامله في انفتاح عناصره كل منها على الأخرى، وصولاً إلى تجسيد رؤية العالم لدى الشاعر عبر تراسل الأجناس، وهو ما يُلقي على المُتلقي عبئاً آخر، يتمثل في ضرورة إرهاف حواسه، واستحضار خلفياته المعرفية والاستعانة بأدوات أكثر من فنٍ عند تلقي النص بصورةٍ تستطيع استنطاقه بكل ما فيه من شفراتٍ تنتمي إلى هذه الحقول المختلفة.
إن الخط الأسلوبي الرئيس لقصائد الديوان الذي تتشاركه هو التكثيف والاختزال، فالقصائد قصيرة ومُكثَّفة ومُحمَّلة بأوجه التأويل والقراءة لمستويات المعنى. تتشارك جميعها في ذلك الخط الأسلوبي. بل إن هذا الاختزال والقِصَر والتكثيف وسَمَ عناوين القصائد أيضاً، فلم تتعدَّ جميعها مفردةً واحدة في تسمياتها من أولى قصائد الديوان إلى آخرها، مثل (بهجة- وميض-صخور- لقاء-المبلَّلون- الضرير-الحديقة- البالون- البحيرة- الضوء- الأحلام- الأحزان- الموت).
وإضافة إلى التوحُّد الأسلوبي لقصائد الديوان، نجد أن هناك توحُّداً فنياً وسمَ القصائد، حيث وجدناها جميعاً تعتمد التخييل القائم على التشخيص و"أنسنة" عناصر الفضاء النصي ومفرداته (مقابل التشييء في حال إسقاط سمة الحياة عن الكائنات وإلحاقها بعدمية الموجودات). فالتخييل المعتمد على خلق علاقات جديدة بين العناصر وعلى طرح تصور مختلف لرؤية العالم ومفرداته بعين الذهن لا الحس هو المسيطر على المجموعة.
يقول الشاعر في قصيدة (صخور):
" تؤدي الصخور أدوارها ببراعة ببراعة ممثلين صامتين
على خشبةِ مسرحٍ كونيٍّ
فتقضي سنوات عمرها المديد
ملتحمةً مع بعضها البعض في جسدٍ ضخمٍ لجبلٍ شاهق
يعيش الحياة متأملاً الطريقة التي يقفز بها الضفدع من مكانٍ إلى مكان".
ففي النص السابق نطالعُ أكثرَ من ملمحٍ فني يلتقي ليمنح النص شاعريته وأبعاده المتجاوزة الواقع، بدءاً من العناصر الكلاسيكية لفنيات البلاغة: التشبيه والاستعارة، في تشبيه الصخور بالبشر، متجاوزاً ذلك إلى التشخيص بما يتلازم معه من حياةٍ وحركة ومواقف وانفعالات وتكوين رؤية.
فالصخور هنا التي تُكوِّن الجبل كأنَّما هي خلايا حيَّة لجسدٍ عملاق ينبض بالحياة، غير أنه ثابتٌ وراسخ في مكانه، تماماً كالممثلين الشاخصين على خشبة المسرح، يتأمَّل العالم بما قُدِّر له من إمكانات الثبات واللافعل ومقدراتهما، غير أن المفارقة تُطالِعُنا في نهاية النص حول هذا الجبل (الحي) الذي يتأمَّل ويُراقِب ويُمارِس تمارين يومية للتنفُّس والحركة، قبل أن يُفضي ذلك كله إلى انفجاره. يتغير تركيب النص الهادئ من حالة التأمُّل والسُّكون إلى الخلق والتغيُّر. الحمم التي تتقاذف دافعةً الهواء الفاسد من قلب الجبل، تهتز الأرض، تتحرك بلايين النباتات متحفزةً بينما تهوي السماء السوداء عليها بالحمم وتتشقق الأرض بالحمم والصخور الهشَّة المتداعية، ليتهاوى الجسد من حالقٍ على هذا المسرح الكوني المهيب!
إن التأويل الأوَّلي لهذا النص في المستوى الثاني من قراءة عناصره يحيلنا إلى "التفسير" المُباشِر لها؛ فالجبل إنسانٌ يُراكِم خبرات المعرفة ولا يُمارِس الفعل بسبب الطبيعة التي جُبِل عليها، غير أن "لحظة التحوُّل" التي تُعدُّ بمثابة "بيت القصيد" في النص الشعري لدى العرب، هي تلك التي ينفجِرُ فيها سكون الجبل منقشعاً عن انفجارٍ بركانيٍّ هائِل، يعيد ترتيب طبيعة الأشياء من حولِه، والمحيط الحيوي الذي يحيط به من مفردات وعناصر وأشياء. إن الغرض الشعري أوضَح من أن يُؤوَّل في هذا النص، وهو يستعرض فكرة التغيُّر باعتباره الثابت الوحيد، وأن باطن وأعماق الموجودات لا تمثل بالضرورة ظاهرها، فثمة تحوُّلات عميقة وتحركات باطنية في أعماق هذا الكون تعيد ترتيب صيرورة الأشياء وتغير تموقعها من العالم.    
وإن كانت الصياغة والتعبير هما أساس أي نص لا مقصده، فقد استطاع شاعرنا ببراعةٍ أن يبني نصه على إبراز التناقضات التي يُكوِّن تباينها العالم، وعناصره وطبيعته، وصولاً إلى الكشف عن حقيقة الظواهر عبر لقطةٍ سريعة اعتمدت الإدهاش والمفاجأة والتكثيف.
وتتسم قصائد المجموعة بنائياً بقِصرِها الواضح، وقدرتها على الكشف. هذا القِصر الذي يتجاوز قليلاً (القصيدة الومضة) التي لا تزيد عن بيتين أو ثلاثة أبيات، ويقترب من مفهوم الإبجرامات المستمد من الشعر اليوناني، وكان أوَّل من نظَّرَ له ونقله إلى البيئة النقدية العربية هو د. طه حسين، وأوَّل من طبَّقه في البيئة الشعرية العربية تلميذه د. عز الدين إسماعيل في ديوانه (دمعةٌ للأسى. دمعةٌ للفرح).

تتابع الرؤية. تراتبية البناء
في عنونةِ الأقسام الثلاثة المُشكِّلة لهذا الديوان نجد أن هناك رابطاً عضوياً يجمعها معاً، كأنما هناك تراتبية تحكم الرؤية، وتتتابع بدقةٍ ومنهجية لدى المبدع في رحلةٍ وجودية؛ فالقسم الأول من الديوان معنون بـــــ ( أستبدِلُ قلبي بجناحين يرفرفان)، وهي الإشارة الأولى لهذه الرحلة التي ستنطلق في تلمُّس جوهر الأشياء وكينونات عناصر الحياة، وهي أيضاً ستحكُم رؤية الشاعر بما تحمله من رهافةٍ وحسٍّ مضاعف مصدره الانتقال من حالةٍ إلى أخرى عبر التحوُّلات الروحية التي تحكم هذه الرحلة الوجودية في مسارها المتحرِّك، فبعد استبدال القلب بالجناحين، في إشارة إلى الانعتاق وتحرير الروح من الجسد وأثقاله ومنحه خفة التحليق عبر هذين الجناحين، تبدأ الرؤية في اتخاذ مسارها عبر هذا الوضع الجديد، ثم تنتقل في متوالية طبيعية إلى المستوى الثاني من هذا التغيُّر، حيث ينفصل الجسد عن قلب صاحبه المُحلِّق بجناحيه، وتتسع الرؤية للرائي، فيُلوِّح لجسده المُتدلِّي من بعيد في القسم الثاني (ألوِّح لجسدي وهو يتدلَّى) قبل أن توصلنا هاتان المرحلتان إلى المرحلة الأخيرة المتوالية تراتبياً بنسقٍ طبيعي محكوم بحتمية المسار، وهي التي عنونها الشاعر بـــــــ (أمضي إلى الضفة الأخرى) كما يشير التأويل في مستواه الأول هي الموت، وهو المسار الأخير في تتابع ارتقاء الروح مداراتها والتحليق عالياً حتى الوصول إليه، وهي خلال هذا التحليق ترى عبر المسافات الكافية لتقييم الأشياء ما يمنحها النفاذ إلى جوهرها الحقيقي، وهو جوهر عادةً ما يصدمُ الشاعر في اكتشافه لحقائق الأشياء عبره، وأنها على النقيض من ظاهرها المتجلي، ما وسمَ قصائد الديوان بالأسى، وبما يقترب من رسم لوحةٍ بانورامية للحياة، عمادها التقاط مفارقاتها الزائفة والموجعة في آن.
هذا الفضاء النفسي الموسوم بالحزن وبالصدمة من الحقائق المراوغة للحياة ومن أكاذيب البشر وطبيعة الحياة المتجهة للهدم والفناء لا الخلق والبناء، يعد إحدى السمات الفنية المؤسِّسة لكل قصائد الديوان، ما يجعلنا نُصنِّفه بثقة في إطار المدرسة الرومانسية بما تتسم به من شاعريةٍ وجنوح للأسى والاصطدام بحدة الواقع والتماهي مع الطبيعة.
إن ديوان "صناعة الأنقاض" لمحمد مهدي حميدة، يحاول عبر حمولته الفنية تحليل وجودٍ كامل واستنطاق عناصره في نصوصٍ تبحث عن مركز الدائرة في الأشياء، وطرح أسئلة الوجود على المتلقي دون الوصول إلى إجابات مؤكدة، دون أن ينحاز سوى للبناء الفني وعناصر القيمة الجمالية في محاولة استنطاق الوجود شعرياً بفضاءاته الضاجة بحيرة اللايقين.