قصائد محمد مهدي حميدة تحمل إيقاعاً إنسانياً طاغياً، حيث تتشكل مادة القصائد ما بين عوالم الروح والأرجاء الفانية، في قراءة تستشرف الآتي وتقرأ الراهن.
| |||||
ميدل ايست أونلاين
| |||||
الشارقة ـ من مصطفى عبدالله
| |||||
يوقع الشاعر والتشكيلي المصري محمد مهدي حميدة في السابعة من مساء الثلاثاء بركن التوقيعات الرسمي في معرض الشارقة للكتاب مجموعته الشعرية "صناعة الأنقاض" الصادرة حديثاً عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة.
تضم المجموعة 39 قصيدة نثرية انتظمت عبر ثلاثة أقسام رئيسية لتشكل المتن المكتوب في الفترة من 1995 إلى 2003 بين القاهرة والمنيا في صعيد مصر. وهي تحمل إيقاعاً إنسانياً طاغياً، حيث تتشكل مادة القصائد ما بين عوالم الروح والأرجاء الفانية، في قراءة تستشرف الآتي وتقرأ الراهن، وتلهو بين جملة من التحولات المدهشة القادرة على تعرية الواقع ومكاشفة ما يتوارى بعيداً عن المتناول.
يقول الشاعر في قصيدة بعنوان (السفينة):
الجدةُ التي لها شكل شجرة بلوط مائلة
تخلعُ يديها المُرتعشتين
لتُثبت مكانهما مجدافين قويين
وتستبدلُ قدميها بذيلِ سمكةٍ كبيرة
مُعتقدةً أنها ستتحول فى وقتٍ ما
إلى سفينة
قادرةٍ على الخوضِ فى نهرٍ عجوز
امتلأ جسدُه بالتجاعيدِ
وتصلبت شرايينُه بدهون لا تذوب أبداً
لا تذوب.
وعلى هذا النحو تمضي قصائد المجموعة متدثرة بقدرتها الجامحة على التقاط المعاني العميقة من بين خرائب الواقع وأنقاضه الجاثمة على الروح المتوثبة والتواقة لسعادة أبدية لا تستقيم على البسيطة الضاجة بحروب شتى تعصف بالمصائر وتلقي بالروح إلى المجهول وشيخوخة يجسدها الشاعر في قصيدة تحمل العنوان ذاته ويقول فيها:
تحتفظُ بين تجاعيدِ وجهِها
بقلوبٍ واهنةٍ
تضخُّ ذكرياتٍ قديمةً
إلى أرجائها الفانيةِ
فتُعلقُ على حبلِ الغسيلِ
في شُرفتِها الأرضيةِ
قميصاً وردياً تظنُ أنه كافٍ
لمجابهةِ الشيخوخةِ الممتدةِ
من جسدِها المترهلِ
إلى حوائطِ البيت.
يذكر ان الشاعر درس بكلية الفنون الجميلة في القاهرة والمنيا، ونال درجة الماجستير في تاريخ الفن، قبل أن يلتحق بالعمل أستاذاً لتاريخ الفن بدولة الإمارات، كما صدر له كتاب (الفن التشكيلي العربي وأبرز مبدعيه) عن دار سعاد الصباح في الكويت عام 2002، وكتاب (عمائر المنمنمات الإسلامية) عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة عام 2010، إضافة لقيامه بإدارة تحرير مجلة (التشكيل) الصادرة عن جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، ومشاركاته العديدة في المعارض والمؤتمرات التخصصية ولجان التحكيم. ويعد حالياً موسوعة شاملة عن التشكيل العربي المعاصر ذات طبيعة نقدية وتأريخية.
|
هذا “الكلام” عن الشعر وصاحبه هو أقرب إلى شخص الشاعر والفنان التشكيلي المصري محمد مهدي حميدة، وكذلك إلى ديوانه “صناعة الأنقاض” الصادر في سبعين صفحة من القطع المتوسط، عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، بلا أي خطأ مطبعي، الأمر الذي بات نادرا في مطبوعات الدائرة، خاصة السردية من بينها.
أيضا، من غير الممكن للقارئ أن يقتنع أن “صناعة الأنقاض” هو ديوان أول لمحمد حميدة، فصاحبه يمتلك رؤية ما في كتابة الشعر، أي كتابة القول الشعري بحيث يتميز عن سواه من الفنون الأدبية، إذ أن ما يُقال في هذا الديوان من غير الممكن قوله عبر جنس أدبي آخر مثل القصة القصيرة جدا مثلا أو القصة القصيرة. فيلحظ القارئ أن الكتابة تقوم على بناء صورة شعرية ثم على جملة العلاقات الناشئة بين الصور في البنية النصية ذاتها، فيُضاف إلى ذلك أن تلك البنية النصية ككل من الممكن تخيلها من قبل القارئ كقصيدة تحمل شذرات من حكاية.
“الجدّة التي لها شكل شجرة بلوط مائلة
تخلع يديها المرتعشتين
لتثبِّت مكانهما مجدافين قويين
وتستبدل قدميها بذيل سمكة كبيرة
معتقدةً أنها ستتحول في وقت ما
إلى سفينة
قادرة على الخوض في نهر عجوز
امتلأ جسده بالتجاعيد
وتصلّبت شرايينه بدهون لا تذوب فيه أبدا
لا تذوب”.
في حين أن المشهد الشعري عندما ينبني على الجملة الفعلية فإن المرء يتخيل مشهدا “متحركا” كما لو أنّ شريطا سينمائيا يدور في مخيلة القراءة، كما في الكثير من قصائد الكتاب:
“ستنفد كل السنين
فجأة
وتهجر أقراص المسكِّن رغباتُكَ المؤجلة
قبل أن تدرك – ولو لمرة واحدة –
أن العمر
مجرد ورشة صغيرة
لصناعة
الأنقاض”.
وثمة في قصائد محمد مهدي حميدة ما يذكِّر ب”قصيدة النثر المصرية” – إذا جاز التوصيف - التي كتبها تسعينيو القاهرة من الشعراء الشباب، والشاعر حميدة واحد منهم، بأثر من منجز شعراء آخرين كالراحل حلمي سالم مثلا لا حصرا. إنما هي هنا – أي قصيدة النثر المصرية - تحمل توقيع حميدة وثقافته، فالحكاية “الشعرية” لديه ليست مكتملة كما لدى أغلب أقرانه بل هي اقتطاعات متآلفة من حكايا شخصية قادمة من تجربة ذاتية، مع جنوح بهذا القَدْر أو ذاك إلى “سوريالية” تكون احيانا مألوفة لكنها صادمة في أحيان أخرى:
“سنجلس في دائرة
ونبتر أيادينا
ونحملها بين أسناننا
وعلى إيقاع موسيقى تنبعث من الصور
سنزحف إلى الداخل
كقطيع يقصد نبعا في جوف صحراء
ذاتَ قمرٍ ميتٍ
ونُسقط الأيادي
يدا تلو يد
فتصنع وردةً من أصابع كثيرة
لم يعد بمقدورها أن تتكلم أبدا
لكنها تشير بثبات ناحية القتلة”.


