الشاعر التشكيلي محمد مهدي حميدة
يعيد تنظيم قلقه في صناعة الانقاض
يعيد تنظيم قلقه في صناعة الانقاض
د. عمر عبد العزيز
أزعم أنني عرفت الشاعر محمد مهدي حميدة عبر نص مكتوب لمقاربة تشكيلية أكدت حدسي العابر حول موهبته الشعرية والتشكيلية، ثم توالت الأيام لأعرفه عن كثب، وهو الذي يلوذ بالصمت كثيراً، مُعتمداً على لغة الإشارة، ليقينه بأن العبارة لم تعد قادرة على كشف المعنى والمبنى، وهذا ما أراه تماماً في المجموعة الشعرية المرفقة بعنوان (صناعة الأنقاض).. تلك التي تكشف عن خباياها الفكرية والدلالية من خلال العنوان، في زمن أصبحت فيه التصدعات والتشظيات فعلاً سيكوباتياً يقوم به من لا يقوون على التعايش مع سويَّة الحياة وجمالها، وسنرى تباعاً ومن خلال بعض النصوص الشعرية المرفقة أن الشاعر يُمازج بين المعاني المنفتحة على الاحتمالات والتحولات، والنص المكثف حدَّ الاحتياط الوافر، كما سنلاحظ أن شعرنة نصِّه تنطلق من خوارزميات لغوية مزاجها الصورة الساطعة، والتحويرات الغرائبية للوجود المادي المنفلت من عقال المألوف والثابت، مما سنقدم عنه إشارات لاحقة.
منذ البداية يستشعر القارئ أن شعرية النصوص الماثلة نابعة من الكلام المُدوْزن بالانسياب الحميد، وأن اختيار الكلمة دالة موسيقية تتكرر كلازمة ناظمة لكامل الايقاع (النصبصري) الذي تتميز به المجموعة، فالشاعر (يستقبل قلبه بجناحين يرفرفان) حيناً، ويقدم طورا آخر(ألواحاً لجسمه وهو يتدلَّى) ثم (يمضي إلى الضفة الأخرى)، وبين ثلاثية الجناحين المرفرفين، وألواح جسمه المعلق في خلاء الضَّنى والتعب، والأنا المجبولة على المضي إلى الضفة الأخرى.. تتحرك الصور كما لو أنها برازخ تتقافز هنا وهناك، لتصل وتفصل بين هذه الثلاثية المُرهِقة والمُرهَقة، ولتعانق العوالم المخطوفة جبراً بمتوالية للتعدد النَّسقي الطبيعي الذي ترجُمنا به الأيام.
هذا النمط من الكتابة المُشعْرنة بقوة الكلمة، ومحاوراتها الموسيقية الدلالية للصورة، يقتضي إبحارات مؤكدة في اللاوعي.. هنالك حيث يكون المعلوم مجهولاً، والمجهول معلوماً .. المعقول لا معقولاً ، واللا معقول معقولاً.. المرئي غائباً، والغائب حاضراً.
قال أبا نواس :
غـــيـــر أنـــــــي قــائـــلٌ ما أتـــاني مـــن ظــنــوني مُكـــذِّب لـــلــــعيان
آخــــــذٌ نـــفسي بــــتــأليف شـــيء واحــد فــي الــلفظ شـتىًّ الـمـعاني
قـــائمٌ فــــي الــــوهم حــــتــــى إذا مــــا رُمتهُ رُمــتُ مُعْـــمى الـمكان
هذا النمط من الكتابة المُشعْرنة بقوة الكلمة، ومحاوراتها الموسيقية الدلالية للصورة، يقتضي إبحارات مؤكدة في اللاوعي.. هنالك حيث يكون المعلوم مجهولاً، والمجهول معلوماً .. المعقول لا معقولاً ، واللا معقول معقولاً.. المرئي غائباً، والغائب حاضراً.
قال أبا نواس :
غـــيـــر أنـــــــي قــائـــلٌ ما أتـــاني مـــن ظــنــوني مُكـــذِّب لـــلــــعيان
آخــــــذٌ نـــفسي بــــتــأليف شـــيء واحــد فــي الــلفظ شـتىًّ الـمـعاني
قـــائمٌ فــــي الــــوهم حــــتــــى إذا مــــا رُمتهُ رُمــتُ مُعْـــمى الـمكان
بمعادلات دلالية كهذه تتموْضَع الصور المنثورة لتعكس جوانيات الأنا المرهقة بشقاء الرؤية، ومحنة النظر، وها هي الشواهد تتوالى منذ بحثه الاستحالي عن (بهجة واحدة لم تسقط من عليائها)، تلك المعلقة في أغصان شجرة يافعة، تحيط بها طيور جارحة .. تنهش في تلك التمائم، ليقتصر دور الشاهد على (جمع الريش الملون المتساقط) من علياء المِثال.
وفي تنويعة أُخرى بعنوان (السفينة) تتقاطع الصور لتشمل الطبيعة بتمامها، كما لو أنه يمنح الجزئي الطابع الكلي، ويرى الجوهري الطبيعي في عين الصور المنفردة المتناثرة.. مايذكرني بروحية (الهايكو) اليابانية النابعة من فلسفة الوجود التي تميز علاقة الهايكيين بالطبيعة، وهي فلسفة متصوفة بالمعنى الوجودي الفردي، و(ترى الجمع في عين الفرق)، مع استبعاد إجرائي لميتافيزيقا الروح الصوفية (العربسلامية) التي لسنا هنا بصدد تمييز الفوارق بينها وبين بوذية الشنتو اليابانية.
ويختصر الشاعر مفهوم السعادة الأبدية بالتحليق حول العوالم، التي تتكرر كلازمة ضابطة لموسيقى النص بعنوان (سعادة أبدية)، وأعتقد أن هذا النص الدائري يباشر التلميح لِما هو كائن موضوعياً، وهو فيما يؤكد على كروية الأرض، يضعنا أمام التقلبات والتحولات العارمة التي تجعل الثابت الأرضي المعروف، رديف المُتغير السرمدي العاصف، مما نشهده في تلك الصور المتخمة بالمفارقات والغرائب.
وفي تنويعة أُخرى بعنوان (السفينة) تتقاطع الصور لتشمل الطبيعة بتمامها، كما لو أنه يمنح الجزئي الطابع الكلي، ويرى الجوهري الطبيعي في عين الصور المنفردة المتناثرة.. مايذكرني بروحية (الهايكو) اليابانية النابعة من فلسفة الوجود التي تميز علاقة الهايكيين بالطبيعة، وهي فلسفة متصوفة بالمعنى الوجودي الفردي، و(ترى الجمع في عين الفرق)، مع استبعاد إجرائي لميتافيزيقا الروح الصوفية (العربسلامية) التي لسنا هنا بصدد تمييز الفوارق بينها وبين بوذية الشنتو اليابانية.
ويختصر الشاعر مفهوم السعادة الأبدية بالتحليق حول العوالم، التي تتكرر كلازمة ضابطة لموسيقى النص بعنوان (سعادة أبدية)، وأعتقد أن هذا النص الدائري يباشر التلميح لِما هو كائن موضوعياً، وهو فيما يؤكد على كروية الأرض، يضعنا أمام التقلبات والتحولات العارمة التي تجعل الثابت الأرضي المعروف، رديف المُتغير السرمدي العاصف، مما نشهده في تلك الصور المتخمة بالمفارقات والغرائب.
نصوص محمد حميدة الشعرية تُقرأ من خلال التذاهن الصافي، فكل عنوان يحمل في دواخله تلك الرؤى والأفكار التي يستقيها من حقيقة الوجود، فالثابت/ المتغير، سمة حاسمة في قصيدة (صخور) التي نستقي منها «ديالكتيك» العلاقة بين الثابت الدائم، والمُتغير العابر، فلا ثبات البتَّة، فكل شيء متحول وإن بدا ثابتاً، وكل صخرة تنبئ عن غيوب لا نراها بعين العقل والبرهان، بل بعين التأمل والإدراك. فتلك الصخرة تبدو طوداً راسخاً أو جبلاً جامداً، لكن المسافة بين قمته وقاعدته مترعة بالحياة والتحولات والتراجيديا النابشة لمحارق جوفه المليء بالإرادة، وإن ظهر أمامنا ساكناً هامداً.
هذا المعنى يتصل تماماً بمفهوم الإرادة والقوة المفارقين للسائد السطحي، وقبل حين كان المتصوف المهاتما غاندى مقيماً في عقيدة الروح الصادرة من علياء الطمأنينة، والسِّلم الداخلي، والتصالح مع الأنا.. من خلال تهذيبها وتمرينها على استكناه جوهر الحياة لا قشورها.
بها المعنى تنطلق القصائد لتقدم رؤى ومقاربات ذهنية، مموسقة بلغة بسيطة موحية، وصور شفيفة، تنبثق من وراء سديم الغناء المحمول على رفارف الكلام وسحره، وبهذا نباشر قراءة إشارية وامضة لبعض البعض من عناوين المصفوفة الشعرية:
- وميض: مسار لوميض النور المتحرك في أجواء معتمة. قال النفري (وقال لي: قَعْ في الظُّلمة، فوقعت في الظُّلمة فأبصرت نفسي).
هذا المعنى يتصل تماماً بمفهوم الإرادة والقوة المفارقين للسائد السطحي، وقبل حين كان المتصوف المهاتما غاندى مقيماً في عقيدة الروح الصادرة من علياء الطمأنينة، والسِّلم الداخلي، والتصالح مع الأنا.. من خلال تهذيبها وتمرينها على استكناه جوهر الحياة لا قشورها.
بها المعنى تنطلق القصائد لتقدم رؤى ومقاربات ذهنية، مموسقة بلغة بسيطة موحية، وصور شفيفة، تنبثق من وراء سديم الغناء المحمول على رفارف الكلام وسحره، وبهذا نباشر قراءة إشارية وامضة لبعض البعض من عناوين المصفوفة الشعرية:
- وميض: مسار لوميض النور المتحرك في أجواء معتمة. قال النفري (وقال لي: قَعْ في الظُّلمة، فوقعت في الظُّلمة فأبصرت نفسي).
- لقاء: المسافة بين الوجود والعدم ليست إلا عبوراً نحو حياة جديدة. قال السهروردي:
لا تـرُعْــــكم ســكـرة الـــموت فــمـا هــــي إلا نُـــقــلةٌ مــن هـــــا هـنـــا
لا تـرُعْــــكم ســكـرة الـــموت فــمـا هــــي إلا نُـــقــلةٌ مــن هـــــا هـنـــا
- المبللون: تجسيم سريالي تشكيلي بامتياز. قال البوصيري:
جـاءت لـــدعوته الأشجار ساجدة تــمشي إلــيه عــلى ســاق بلا قدم
جـاءت لـــدعوته الأشجار ساجدة تــمشي إلــيه عــلى ســاق بلا قدم
- الضرير: الرؤية بعين اللقب
قال تعالى: «ماكذب الفؤاد ما رأى* أفتمارونه على ما يرى»
قال تعالى: «ماكذب الفؤاد ما رأى* أفتمارونه على ما يرى»
- الحديقة: كل شيء يتحول حتى وإن خبا أو تلاشى بصرياً. فقد مات الكلب حرقاً، وبكاه عارفوه، لكن أيام البكاء استرجعت صوته الذي يتكرر رجع صداه من عوالم غيابه. قالت الخنساء:
ولـــــولا كـــــثــرة الــباكين حـولي عـــلــى قتـــلاهمُ لقــتـلــت نـــفسي
ولـــــولا كـــــثــرة الــباكين حـولي عـــلــى قتـــلاهمُ لقــتـلــت نـــفسي
وقال امرؤ القيس:
تـــــرانـــا نـــــاظــرين لأمـــر غـيب ونـــلهو بــــــالــطعام وبــــالشراب
تـــــرانـــا نـــــاظــرين لأمـــر غـيب ونـــلهو بــــــالــطعام وبــــالشراب
وعلى هذا النحو يمكننا عقد مقارنات افتراضية بين عناوين ومحتوى النصوص من جهة، وبين حالة التقاطع الدلالي مع سؤال الوجود والكون المبثوث في تضاعيف النصوص الإنسانية من جهة أُخرى؛ مما يجعل هذا النمط الشعري ضروريا في زمن التشظي والتناقص المعنوي الذي يحاصرنا.
لا أزعم في هذه العجالة العاجلة تقديم قراءة أُفقية لديوان (صناعة الأنقاض) الشعري، ليقيني بأن الإشارات الواردة كفيلة بتقديم بؤرة ضوء لمركز الثقل المتحرك في ديناميكية نصوص «حميدة» المرنة. والشاهد أن الشاعر بذاته يعتمد هذا المنهج لنتابع معه ذلك الوميض البارق الذي ينقذف في الأسماع والأبصار كما الشهب الثاقبة.
هذا النمط من الشعرية الكاشفة لجمالية الموسيقى الداخلية، وعوالم الأنا التي تتلظَّى بمحارق الرؤية والإدراك يلزمنا في هذا الوقت بالذات، لأننا بحاجة ماسة إلى التصالح مع أنفسنا حتى نتصالح مع العواصف المحيطة بنا.
لا أزعم في هذه العجالة العاجلة تقديم قراءة أُفقية لديوان (صناعة الأنقاض) الشعري، ليقيني بأن الإشارات الواردة كفيلة بتقديم بؤرة ضوء لمركز الثقل المتحرك في ديناميكية نصوص «حميدة» المرنة. والشاهد أن الشاعر بذاته يعتمد هذا المنهج لنتابع معه ذلك الوميض البارق الذي ينقذف في الأسماع والأبصار كما الشهب الثاقبة.
هذا النمط من الشعرية الكاشفة لجمالية الموسيقى الداخلية، وعوالم الأنا التي تتلظَّى بمحارق الرؤية والإدراك يلزمنا في هذا الوقت بالذات، لأننا بحاجة ماسة إلى التصالح مع أنفسنا حتى نتصالح مع العواصف المحيطة بنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.