الثلاثاء، 6 أبريل 2021

«قناص جبل الرماد» لمحمد مهدي حميدة جمالية البناء الكُليّ للصورة وشعرية المغايرة


«قناص جبل الرماد» لمحمد مهدي حميدة

جمالية البناء الكُليّ للصورة وشعرية المغايرة 

د. حمزة قناوي 

صحيفة "المصري اليوم" عدد ٧ أبريل ٢٠٢١

يحفلُ ديوان «قناص جبل الرماد» للشاعر محمد مهدي حميدة[ ١] بالاختلاف والتمايز من حيثُ الشعريةِ والإبداعيةِ والصورة، يبدأُ هذا التمايزُ منذ «العنونة»، مما يكشف لنا عن فهم الشاعر لأهمية العنوان ودلالته، فقد صار ينظر للعنوان بوصفهِ «... نظاماً سيميائياً ذا أبعادٍ دلاليةٍ، وأخرى رمزية، تغري الباحث بتتبع دلالاته، ومحاولة فك شيفرته الرامزة.»[٢ ]، واختار الشاعر محمد مهدي حميدة عنونةً جذابةً، تُشِّوقُ القارئ وتُرغِّبُه، وتجعله يبحث عن المعنى المتضمن في داخله، وبالتالي التشوق إلى المعنى المتضمن في مجمل الديوان، ونحلل هنا سبب التشويق الذي  اكتسبه العنوان، فنجد التركيب اللغوي المغاير والمختلف عن المألوف،  سرَّ جمالِ هذه العنونة، طريقة ارتباط الكلمات بعضها ببعض هو ما يضفي الجمالية على المضمون، فــ «الكلمة تشكل الركن الثاني مباشرة بعد الصوت في بناء النص الشعري، على أنه لا يمكن فهم أي كلمة على نحو تام بمعزل عن الكلمات الأخرى ذات الصلة بها؛ والتي تحدد معناها؛ لأن معنى الكلمة يعتمد في المقام الأول على معاني الكلمات المتضافرة.  وبرغم تعدد المفاهيم فإنّنا نستطيع القول: إن الكلمة تساوي الوحدة المعجمية التي تشكل بدورها الوحدات الصغرى للنص؛ ولا يمكن فهم معنى الكلمة أو الوحدة المعجمية للنص بمعزل عن الوحدات المعجمية الأخرى.» [٣ ]

يرشدنا هذا النص إلى طريقة تعامل تشريحية مع العنونة التي توقفنا إزائها، فـ«قناص جبل الرماد» تكتسبُ جمالياتِها من التجاور والعلاقات المتبادلة بين كل مفردةٍ وأخرى، وفي اعتقادي أن ما منح العنونة شاعريتها هو التركيب الإضافي «جبل الرماد»، فهنا يبرزُ تناقض معنوي، بين «قناص» الذي يوحي دائماً بالقوة، والتربص، والانتظار، وربما المكر والخداع أيضاً، وهي كلها إيحاءاتٌ دلاليةٌ نستدعيها بمجردِ التفكير في القناص، ثم إلصاق القناص بجبل، ونلاحظ هنا مجيء «الجبل» نكرة، فهي تكتسب تعريفها من الإضافة إليها، ومن ثم إذا سرنا في الدلالة الخطية: «قناص جبل» لوجدنا أن المعنى قد تضاعَف في معاني القوة والاتساع، فنحن نتحدث عن قنَّاصٍ يعتلي الجبل، أو يقيم فوقه، أو قناصٍ يستهدفُ من يصعد إلى جبلٍ مُعيّن، وتبقى المفردة في انتظار ما يضفي عليها المعنى النهائي، ليأتي هذا المعنى النهائي منقلباً على كل المعاني التأسيسية، فتختفي مفاهيمُ القوة، وتنقلب إلى مفاهيم الضياع والتشتت، فهذا الجبل هو  «الرماد»، و«الرماد»  هنا معرفةٌ بالألف واللام، ومُعرِّفةٌ أيضاً لكلٍ من القناص والجبل، ليصبح كلٌ منهما حاملاً لمعنى من معاني النقص والاستلاب، «الرماد»، رمزٌ لانفضاض الأمر وانقضاء الوقت دون تحقق شيء، أو رمزٌ للهزيمة والانكسار، فقد تحولت معاني القوة والهيمنة والسيطرة إلى معنى آخر من ضياع الوقت وانقضائهِ دونَ تحقيقِ الهدف، أو إلى معنى انفضاض الأمر، وتحوُّل ما كان قائماً إلى مُنتَهٍ لا يبقى منهُ إلا أثره.

إذن نلمس حساسيةً مرهفة في اختيار الكلمات، وطريقة تركيبها معاً، وهو ما يجعلُنا نفترضُ أنَّ اختياراتِ الكتابة قد تم التدقيقُ فيها بشِدَّة، ومن ثمَّ نَمضي في داخل ثنايا النص للبحثِ عن معانٍ إضافيةٍ للعنونة، وهنا يسيرُ التأثيرُ والتأثرُ في اتجاهينِ مُتقابِلين، فكل المعاني التي تضفيها القصائد على العنونة، تتأثرُ في الوقت ذاته بما تضفيه العنونة عليها من معنى، فهنا سننظرُ للديوان بمجمله على أنه يسير في دائرة البحث عن إمكانية التحقق وعدم التحقق، عن شيءٍ كان تاماً وانقضَى تماماً واشتعل ولم يبقَ منهُ إلا رمادُه، ولن نجد في داخل النص إشارة للرماد إلا في قصيدة: «دائرة»، والتي يقول الشاعر فيها:

«وحيداً/ فوقَ أكوامٍ/ هائِلةٍ/ من عِظامٍ بَشريّةٍ/ وبقايا طيورٍ مُلونةٍ/ قتيلةٍ/ وذكرياتٍ فرَّت/ بأعجوبةٍ/ من بلادٍ مُنطَفِئَةٍ/ وآفلةٍ إلى حدٍّ ما/ ومُنزويةٍ/ إلى خسائِرِهَا الجَمَّةِ/ هُناك/ حيثُ يقبعُ دوماً/ قنَّاٌص ماكرٌ/ فوقَ جَبلٍ شَاهِقٍ/ من رَمادْ» ص34-35

جبل الرماد هنا يتكونُ من بَقايا العظامِ البَشريةِ، وبقايا الطيورِ المُلوَّنةِ، هو رمزٌ لانكسارِ الأحلامِ ولعبثيةِ عدمِ القدرة على تحقيق شيء في هذه الحياة، ولكن قبل أن نستفيضَ في إضفاء تأويلاتنا على المعاني المستنتجة علينا أن نتوقف عند التراكب اللفظي وطريقة بناء جمالية القصيدة في الديوان، الذي ينتمي إلى المدرسة السوريالية والدادائية في طريقة تشكيل الصورة، وفي طريقة توصيل المعنى، فنحنُ أمام معادلات موضوعية للقضايا الحياتية الكبرى، لكن لا يتم تقديمها بطريقة تقليدية، وإنما بطريقة يتم فيها بناء الصورة بشكل مدهش، وتترابط فيها الصورة ترابطاً كلياً، لا يمكن معه تفكيكها إلى أجزاء، وهو يخالف البناء المقطعي الذي اعتدناه في الشعر الحديث المعاصر، فهنا نحن أمام طاقة إيحائية كبيرة للصورة، يجعلها توصِل للمتلقي أكثر مما تتضمنه في داخلها، باعتبار أنّ: «الطاقة الإيحائية للكلمات لا يمكن أن تتحقق وتكتمل إلا عبر العلامات التي توجه التقاءَها وتراكبها في الخطاب الشعري.»[٤ ]       

إذن يمكن القولُ إننا أمامَ حالةٍ من حالاتِ الوحدة العضوية المتكاملة، التي تظهر منذ العنوان، وتترابط معنوياً مع المُضيّ في ثنايا القصائد، وأمام حالةٍ من حالات الصورة الكلية المرتبطة معاً بشكلٍ يحتاج إلى التدقيق في كيفية تكوينها وبنائها، ورغم ما يبدو من انتماء الديوان إلى السوريالية والدادائية في طريقةِ رسم الصورة، إلا أنه يخالفها في كونه لا ينتمي إلى الغموض، وإلى اعتبار الغموض سمةً من سماتِ الصورة[٥ ]، فالديوان يأتي على النقيض من ذلك، هو يعتمد على دهشة الصورة وغرائبيتها، لكنها ليست غامضةً، وليست عصيةً على التلقي، وهو ما يحقق مقولة أن «المشكلة دائماً في التلقي تتعلق بالمرسل وليس المستقبل، فعندما تكون الرؤية واضحة لدى المرسل، والصورة جلية فيما يريد أن يرسمه بكلماته، وفيما يرجوه من أثر في المتلقي من هذا الرسم، تأتي عملية التلقي سلسة وسهلة ويسيرة» [ ٦]، وهنا يتضحُ لنا جلياً أن الصورةَ واضحةٌ في ذهن راسمها، وكأنه قد رسمها في عقله مثل اللوحة التشكيلية المتكاملة، ثم ذهب يصوغها وينقلها من عالم الرسم والحلم، إلى عالم الكلمات والتعبير.

إذن تتكاملُ العنونة مع المعنى الضمني الداخلي لمجمل قصائد الديوان، وتعتمد القصائد في تحقيق فاعليتها على جماليات الصورة على نحو خاص، ومفتاح الشفرة هنا هو «الترابط»، وضِف إليه «التكامل»، فالصورة تنبني على نحو كلي، ليست صوراً متفرقةً تشكل معا صوراً كليةً كما اعتدنا مع الصورة المقطعية في الشعر الحديث والمعاصر، وإنما هناك صورةٌ كليةٌ كاملةٌ، نابعةٌ أساساً من فكرةٍ فلسفيةٍ، تتحدثُ عن قضايا فلسفية كبرى، وتكتسب ثقلها من كونها تعرض هذه القضايا الفلسفية الكبرى، في صياغةٍ بسيطةٍ سلِسة، يصعبُ معها الإتيانُ بصيغةٍ أسلسَ وأسهلَ من تلك، فمثلاً في قصيدة «العدميون»، يقول:

«فصِرنا عدميين/ بشكلٍ/ يتجاوزُ كلَ شكٍ/ ومضينا طواعيةً/ لأبعدَ من كلِ مسافةٍ/ وصرنا نحنُ دونَ غيرِنا/ القابعينَ/ بمفردِنا/ على قمةِ جبلِ الهواء/ والنائمينَ/ في تلابيبِ الطيف/ بلا أي وجودٍ يُذكَر/ ولأمدٍ بَعيد.» ص9

نجده هنا يسائل فكرة: هل لنا وجودٌ من عدمه؟ وإذا كان لنا وجود؛ هل هو على النحو الذي نريده؟ وهل لنا اختيار في أن نكون ما نريده؟ وهل يمكننا تغيير ما نحن عليه؟ قضايا فلسفيةٌ كبرى ليس من اليسير مناقشتها في القصيدة الشعرية، والأصعب من ذلك، الإتيان بها على نحو جماليٍ، يحقق متعةً جماليةً في القراءة، وفي البحث حول جوانب الصورة، وتكوينها المدهش/الغرائبي أحياناً، دون أن يفقد القارئ تواصُلَهُ مع الديوان، ودون أن يؤدي تفكيره في النواحي الفكرية والفلسفية إلى الانفصال عن التلقي الجمالي للديوان، وهناك عوامل عدة تساعد على ذلك، أو بالأحرى «أدوات عدة» يستخدمها الشاعر في رسم صورته، منها «التضمينُ الدلاليُ»، عبر استحضار مجموعة من القضايا التي لها بعدُها وثقلُها الفلسفيُ الاجتماعيُ، وتضمينها في ثنايا القصيدة، وتكييف الصورة مع هذه الرؤية، فلنعاين ذلك في قصيدة «دودة القز الأخيرة»، يقول: 

«وقفتُ في الشرفةِ/ ألوِّحُ لكُلِ شيء/ ولما لم أجِد رداً/ في المقابل/ أو ردةَ فِعلٍ ما / تُهدِّئُ من رَوْعي/ لم أتردَّدْ للحظةٍ/ في محوِ الغرفةِ/ بشرفتِها البائدةِ/ هكذا/ بقناعةٍ تامَّة/ من تلقاءِ نَفسي/ وبيديَّ القَويتين/ وأنفاسي اللاهبةِ/ لأمكثَ/ فيمَا بَعد/ لصقَ حطامٍ أصمَّ/ متكوراً/ حولَ نفسي/ وماضياً/ في سبيلي/ بكلِ ثِقةٍ/ وصرامةٍ/ لمضغِ آخرَ ما تبقّى/ في مجرةِ دربِ التبانةِ/ الشاسِعةِ/ من وريقاتِ التوت.» ص10-11

نلاحظُ أنَّنا عِندما حاولنا التدليل على الصورة، لم نستطع أن نُجزِّئها، أو أن نقتطع منهاً شيئاً يُمكنُ أن يُعبِّر عن طريقة تكوينها، بل وجدنا نفسنا نمضي في سلاسةٍ من أول الصورة المرسومة بدقة، حتى انتهاء القصيدة، فهنا نجد أن التعبير الدلالي، وتراكب المفردات والألفاظ معاً، يتماهى مع التعبير عن جوهر الرسالةِ المرادِ توصيلُها، وتصبح دهشة التصوير، والبحث عن التجاوب في ذهن المتلقي، الذي عليه أن يتخيل الصورة، معتمداً على الأفكارِ المُسبقةِ عن «دودة القز»، التي نجدها في العنوان، ولا نجدها في ثنايا القصيدة، بل نصنعُ ضمنياً، تراكباً فنياً بينَ الإنسان الذي نتخيله في المجمل كدودةٍ كبيرةٍ، أغلَقت على نفسِها شَرنَقتهَا، وصارت تأكل وتأكل دون أملٍ في أن تُحقِّقَ لنفسِها شيئاً، وفي انفتاحِ هذا الاتساع اللامتناهي من الكون، والذي نحيطُ به معرفةً كبني البشر، إلا أننا لا أمل أن تكون لنا قدرةٌ على تحقيقِ ما نريد، فلا شيءَ يُقدِّمُ لنا «الردَّ» المُناسِبَ، رغمَ كل هذا الاتساع في الكون، إلا أن شخصياتنا منسحقةٌ، تعيشُ مُعانَاتِها الخاصة، ونَهَمَها الخاص تجاهَ شيءٍ ما، لا يتحققُ ولا يجيء.

رغم غرابة المعنى وغرابة التشبيه، إلا أننا نلمس عذوبة ورقة، وحساً مرهفاً، نلمسُ القدرةَ على تذويب الفاصل بين الواقع والخيال، حتى أننا لا نعرف أيهما المطروح في القصائد، هل هو الخيال، أم الواقع الذي يبدو أغرب وأعجب من الخيال؟ وهل نحن أمام حالة من حالات الرسم بالكلمات، أم أمام حالة من حالات التفكير العميق في جوهر الحياة؟ ونجح الشاعر في تقديم هذا التفكير في شكل مبسط، شكل يصل للقارئ، ويستفز ما بداخله، ويجعله يتفاعل مع الرؤية المقدمة من قبل  الشاعر، حتى أن محمد مهدي حميدة يُقدِّمُ فكرةً تُحاكي وتناقش، - وربما تسخر- من فكرة الحياة بأكملها والكون ومعيشة البشر على سطح الكرة الأرضية، كل ذلك يتم على نحوٍ سلسٍ عذبٍ سَهل، رغمَ تعقيدِ تَخيُّلِ الصورة الكلية في النهاية إلا أن الرسالة تصلُ واضحةً بشِدَّة، يقولُ الشاعر: 

«أودُّ/  أن أحبسكُم جميعاً/ في بلورةٍ سحريةٍ/ وأستدعيكُم/ بلا تعاويذَ/ أو طلاسمَ/ لتحدِّثوني/ عن مُستَقبلِ الأرض/ ونهايةِ العالَم/ ثم/ ودونَ أن أعبَأَ/ بعويلِكم المكتوم/ سأغفو قليلاً/ قليلاً/ على سطحٍ مُتكورٍ/ تعتقدونَ/ من داخلِ مَحبَسكم/ أنهُ السَماء» ص36-37

ولولا احتراز الشاعر بمقولة «أود»، لتحمَّلَت القصيدةُ معانيَ أخرى، ولا شكَّ أن هذهِ الشعريةَ ليست من النوعِ الذي نصادفهُ كثيراً في تأليفِ القصائِد العربيةِ في الشعريةِ المعاصرة، بل هي نوعٌ خاص من التَداخُلِ بينَ المرئيّ والفَلسفيّ والدلاليّ، وهو ما يجعلُ الديوانَ يحتاجُ لحساسيةٍ خاصةٍ في التلقّي من قبلِ القارئ.


___________

المراجع:

  ١- محمد مهدي حميدة: قناص جبل الرماد، دائرة الثقافة والاعلام، الشارقة، 2015م 

  ٢- بسام موسى قطوس: سيمياء العنوان، وزارة الثقافة، عمان، الأردن، 2001م، ص33

  ٣- مراد عبد الرحمن مبروك: الأسطورة وسلطة النص في شعر حمزة شحاتة: قراءة أولى في آليات الاتصال الادبي، مجلة علامات، النادي الأدبي بجدة، جدة، 2006م، ص744-745

 ٤ - كمال خير بك: حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر، ط2، دار الفكر، بيروت، 1986م، ، ص148

 ٥ - راجع: سليمان خالد: ظاهرة الغموض في الشعر الحر، مجلة فصول، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، مجلد 7، عدد1، 1986م، ص 83.

 ٦ - راجع: عصام شرتح: ملفات حوارية في الحداثة الشعرية (حداثة السؤال أم سؤال الحداثة)، دار الأمل الجديدة، دمشق، 2012م، ص 366.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.